يحتفل ملايين العشاق من المحيط إلى الخليج بعيد ميلاد “فنان العرب” محمد عبده السابع والسبعين، مستحضرين مسيرة فنية استثنائية تجاوزت الستة عقود. هذه الرحلة الطويلة لم تكن مجرد مشوار غنائي شخصي، بل كانت بمثابة حجر الأساس الذي تركزت عليه الأغنية السعودية والخليجية لتنطلق بقوة نحو آفاق العالم العربي، واضعةً صاحبها كأيقونة حية وتاريخ لا يتكرر.
شهدت مدينة “الدرب” بمنطقة جازان (جنوب غرب المملكة) ولادة هذا الصوت التاريخي، قبل أن ينتقل إلى جدة ليدرس بالمعهد الصناعي الثانوي ويعمل في قطاع البريد. إلا أن الشغف الحقيقي تبلور عام 1960 عبر أثير إذاعة جدة، وتحديدًا في برنامج الأطفال الشهير “بابا عباس”، حيث بدأ كمردد (كورال) في الفرقة الموسيقية.
لم يتأخر بزوغ نجمه؛ إذ التقطت موهبته عين الإعلامي والدبلوماسي عباس فائق غزاوي، وحظي بدعم ورعاية الأديب الراحل طاهر زمخشري. وفي خطوة تعكس عبقريته المبكرة، قاد عبده أولى تجاربه في التلحين وهو لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره عبر أغنية “خلاص ضاعت أمانينا”، مقدمًا في الوقت ذاته أعمالًا مبكرة مثل “سكبت دموع عيني” و”أعلل قلبي”. وبحلول عام 1963، شد الرحال إلى بيروت ليسجل مجموعة أغنيات مهدت لتدشين احترافه الرسمي عام 1964.
وشهد عام 1967 محطة فاصلة في مسيرته؛ حيث أحدثت أغنية “الرمش الطويل” دويًا هائلًا ونالت انتشارًا استثنائيًا محليًا وعربيًا. ومع الدخول في حقبة السبعينيات، صاغ محمد عبده مرحلة اعتبرها النقاد الأهم في وجدانه الفني، فارضًا روائع سكنت الذاكرة مثل “الرسايل” وأغنية “أبعاد” العابرة للحدود. وتتويجًا لهذا العطاء، بايعه الجمهور في عام 1981 بلقب “فنان العرب”، الاسم الذي بات مرادفًا لشخصه حتى اليوم.
وامتد التوهج إلى الثمانينيات بشراكة استراتيجية وتاريخية مع الملحن القدير الدكتور عبد الرب إدريس، أسفرت عن حزمة من كلاسيكيات الموسيقى العربية مثل: “محتاج لها”، “جيتك حبيبي”، “أعتذر”، و”كلك نظر”.
ورغم الصدمة التي عاشها الجمهور بابتعاده عن المسارح لثماني سنوات كاملة (من 1989 حتى 1997) لأسباب شخصية كان على رأسها رحيل والدته، إلا أن نبضه الفني لم ينقطع؛ حيث واصل العطاء من داخل الاستوديوهات، مهديًا المكتبة العربية أعمالًا مميزة كـ “أنشودة المطر” و”البرواز”، بجانب سلسلة ألبوماته الشهيرة “شعبيات”.
وإلى جانب الهيمنة المطلقة على عرش الغناء، تبرز في سجل فنان العرب تجربة درامية يتيمة وغير مكررة؛ حيث خاض غمار التمثيل عام 1969 من خلال مسلسل “أغاني في بحر الأماني”، مجسدًا فيه دور مطرب شاب يدعى “هاني”، لتبقى تلك التجربة شاهدة على مرونته الفنية في زمن الانطلاق الفني الكبير.

