هدير محمد
تحل اليوم الذكرى الـ97 لميلاد العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، أحد أبرز نجوم الغناء العربي وأكثرهم تأثيرًا في تاريخ الموسيقى. ورغم مرور ما يقرب من خمسة عقود على رحيله، لا يزال صوته حاضرًا في وجدان الملايين، فيما تواصل أغنياته العاطفية والوطنية الحفاظ على مكانتها كجزء أصيل من ذاكرة الفن العربي.
وُلد عبد الحليم علي إسماعيل شبانة في 21 يونيو 1929، بقرية الحلوات في محافظة الشرقية، وكان الابن الأصغر لأسرة مكونة من أربعة أبناء. ولم يكد يرى النور حتى فقد والدته بعد أيام قليلة من ولادته، ثم توفي والده قبل أن يتم عامه الأول، ليعيش في كنف خاله وسط بيئة ريفية بسيطة.
التحق عبد الحليم بمعهد الموسيقى العربية، وعُيّن مدرسًا للموسيقى عقب تخرجه، قبل أن يتقدم لاختبارات الأصوات في الإذاعة المصرية عام 1951. ولم يحظ بقبول فوري، إذ اعتُبر صوته مختلفًا عن النمط السائد آنذاك بسبب نبرته الهادئة والناعمة.
وشكّلت أغنية “صافيني مرة” من ألحان محمد الموجي نقطة التحول الحقيقية في مسيرته الفنية، فعلى الرغم من الانتقادات التي واجهتها عند طرحها لأول مرة، فإن إعادة تقديمها خلال احتفالات إعلان الجمهورية المصرية أسهمت في انتشارها على نطاق واسع، لتفتح أمامه أبواب النجومية، قبل أن تعزز أغنيات مثل “على قد الشوق” مكانته كأحد أهم مطربي جيله.
وخلال مشواره الفني، قدّم عبد الحليم حافظ أكثر من 200 أغنية تنوعت بين الرومانسية، مثل “أهواك”، و”جانا الهوى”، و”على قد الشوق”، و”حبيبتي من تكون”، و”تخونوه”، والأغاني الوطنية المرتبطة بالأحداث السياسية، مثل “بالأحضان”، و”صورة”، و”عدى النهار”.
وتعاون خلال أغانيه مع نخبة من كبار الملحنين، منهم كمال الطويل، ومحمد عبد الوهاب، ومحمد الموجي، وبليغ حمدي، ليقدم معهم أعمالًا خالدة ما زالت تتردد حتى اليوم.
وعلى مستوى السينما، شارك عبد الحليم حافظ في 16 فيلمًا سينمائيًا، من أبرزها “أيام وليالي”، و”بنات اليوم”، و”حكاية حب”، و”الخطايا”، و”أبي فوق الشجرة”.
ولم تكن هذه الأفلام مجرد تجارب تمثيلية، بل جمعت بين الأداء الدرامي والغنائي، وقدّمت قصصًا عاطفية واجتماعية عكست ملامح المجتمع المصري في الخمسينيات والستينيات، وهو ما جعلها تحتفظ بمكانتها في ذاكرة الجمهور حتى اليوم.
كما شكّلت هذه الأفلام منصة لإطلاق عدد من أشهر أغنياته، مثل “جانا الهوى”، و”حاول تفتكرني”، و”بتلوموني ليه”، و”حبيبتي من تكون”، بالتعاون مع نخبة من نجوم التمثيل، من بينهم شادية، ومريم فخر الدين، ولبنى عبد العزيز، وزبيدة ثروت، وأحمد رمزي، وفاتن حمامة، وأسهم نجاحها في تعزيز انتشار عبد الحليم حافظ عربيًا، وترسيخ مكانته كواحد من أبرز نجوم الغناء والسينما في العالم العربي، إذ عُرضت أفلامه في عدد كبير من الدول العربية، كما تُرجم بعضها إلى لغات أخرى.
وعانى عبد الحليم حافظ منذ طفولته من الإصابة بمرض البلهارسيا، الذي تسبب مع مرور السنوات في مضاعفات صحية خطيرة. وفي عام 1956 تعرّض لأول نزيف حاد، لتبدأ رحلة طويلة مع المرض خضع خلالها لعلاجات وعمليات جراحية متكررة داخل مصر وخارجها، قبل أن تتفاقم حالته نتيجة إصابته بتليف الكبد.
وفي 30 مارس 1977، توفي عبد الحليم حافظ في لندن عن عمر ناهز 47 عامًا، بعد صراع طويل مع المرض ومضاعفاته.
وأثار رحيله حالة من الحزن غير المسبوقة في مصر والعالم العربي، إذ تحولت جنازته إلى واحدة من أكبر الجنازات الشعبية في تاريخ البلاد، وشارك فيها ملايين المشيعين، بينما تناقلت وسائل الإعلام آنذاك أنباء عن محاولات انتحار لبعض المعجبات فور سماع خبر وفاته.

