تمر اليوم ذكرى رحيل النجم عمر الشريف الذي صاغ للممثل العربي تفاصيل الحلم العالمي؛ الفنان الذي جمع بين كاريزما الشرق وسحر هوليوود، تاركًا خلفه إرثًا سينمائيًا خالدًا تجاوز حدود الجغرافيا، ليبقى اسمه محفورًا في ذاكرة الفن السابع كأحد أبرز سفراء الإبداع المصري عالميًا.
لم تكن العالمية بالنسبة لعمر الشريف مجرد أدوار عابرة، بل كانت اعترافًا دوليًا صريحًا بموهبته الفذة؛ حيث حصد نقطة التحول الأكبر في مسيرته عام 1962 حين اختاره المخرج البريطاني ديفيد لين للمشاركة في الملحمة السينمائية “لورانس العرب”، وهو الدور الذي توج عنه بجائزة “جولدن جلوب” لأفضل ممثل مساعد، ونال عبره ترشيحًا تاريخيًا لجائزة الأوسكار.
ولم يتوقف قطار نجاحه عند هذا الحد، بل رسخ مكانته في هوليوود عام 1965 ببطولة الفيلم الأيقوني “الدكتور زيفاجو”، لينتزع عنه جائزة “جولدن جلوب” الثانية كأفضل ممثل درامي، وتتوالى أعماله العالمية مع كبار النجوم في أفلام مثل “الوادي الأخير”، “بذور التمر الهندي”، و”النمر الوردي يضرب مجددًا”.
وطوال عقود تنقله بين أوروبا وأمريكا، حصد الشريف تكريمات دولية رفيعة، من أبرزها جائزة “الأسد الذهبي” عن مسيرته الفنية من مهرجان البندقية عام 2003، وجائزة “سيزار” الفرنسية لأفضل ممثل عام 2004 عن فيلمه الشهير “السيد إبراهيم وأزهار القرآن”.
وبعد سنوات طويلة من الاغتراب، قرر عمر الشريف العودة والاستقرار في مصر مطلع التسعينيات، مكرسًا وقته للعمل العام واستئناف نشاطه الفني محليًا وعربيًا؛ حيث فاجأ الجمهور عام 2007 بتقديم أول مسلسل تلفزيوني في مسيرته بعنوان “حنان وحنين”.
وتابع الشريف إثراء الخزانة الفنية بلقاء قمة سينمائي جمعه بالزعيم عادل إمام في فيلم “حسن ومرقص” عام 2008، تلاه فيلم “المسافر” مع خالد النبوي، ثم الفيلم العربي المشترك “هز القصبة”. وجاء مسك ختام مسيرته بلمفتة علمية وإنسانية؛ حيث شارك في الفيلم التعليمي “ألف اختراع واختراع وعالم ابن الهيثم” لدعم حملة اليونسكو الدولية.
وبالعودة إلى كواليس البدايات، لم يكن طريق الفن مفروشًا بالورود أمام الشاب الذي ولد يوم 10 أبريل من عام 1932 وتلقى تعليمه في كلية فيكتوريا بالإسكندرية ثم درس الرياضيات والفيزياء بجامعة القاهرة؛ إذ كان والده، تاجر الأخشاب الميسور، يصر على أن يخلفه ابنه في تجارته. ولأجل الهروب من هذا المصير، لجأ الشريف إلى حيلة طريفة، فتعمد إظهار الفشل التام في إدارة العمل عبر بيع البضائع بأسعار أقل بكثير من قيمتها الفعلية، حتى اقتنع والده بعدم صلاحيته للتجارة وتركه يلاحق شغفه الذي بدأ كهاوٍ على مسرح المدرسة والجامعة.
وجاءت الانطلاقة الحقيقية بالصدفة البحتة، حين التقى بصديق دراسته المخرج يوسف شاهين في مقهى “جروبي” الشهير بالقاهرة بعد عودة الأخير من أمريكا، ليعرض عليه دور البطولة في فيلم “صراع في الوادي” عام 1954، ليبدأ فصلًا جديدًا غيّر مجرى حياته بالكامل.
ورغم إعجاب يوسف شاهين بموهبته، كان القرار النهائي معلقًا بقبول سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، والتي وافقت على منحه الفرصة بعد اختبار أداء قدمه أمامها في منزلها. ومع هذه البداية، ولدت قصة حب جارفة بينهما، وتوجت بالزواج عام 1955 عقب إعلانه اعتناق الإسلام.
ولأن اسمه الحقيقي “ميشيل شلهوب” لم يكن مألوفًا للجمهور العربي آنذاك، اقترحت فاتن حمامة بالاتفاق مع يوسف شاهين منح الشاب الصاعد اسمًا فنيًا جديدًا، ليولد من رحم هذا التعاون اسم “عمر الشريف” الذي رافقه حتى النهاية. وشكل الثنائي ظاهرة سينمائية فريدة من خلال 5 أفلام بارزة منها “أيامنا الحلوة”، “سيدة القصر”، و”نهر الحب”، قبل أن يقع الانفصال في منتصف السبعينيات بسبب طموح الشريف نحو العالمية والسفر الخارجي. ورغم الانفصال، ظل الشريف مخلصًا لهذا الحب ولم يتزوج مجددًا، مخلفًا ابنهما الوحيد طارق، وحفيديه عمر وكريم.
وتنوعت الروايات حول الجذور الأولى لعائلة النجم الراحل؛ حيث أشار في مناسبات عدة إلى أن عائلته “شلهوب” تنحدر من أصول شامية (بين دمشق واللاذقية وحماة) هاجرت واستقرت في مصر ولبنان مطلع القرن العشرين، في حين ولدت والدته في طنطا ووالده في الإسكندرية، لينشأ الشاب “ميشيل” في مدينة الثقافة والكوزموبوليتان، الإسكندرية، التي ولد بها في 10 أبريل 1932.
وفي مثل هذا اليوم، العاشر من يوليو عام 2015، ترجل الفارس العالمي عن صهوة الحياة عن عمر ناهز 83 عامًا بعد صراع مع المرض، مخلفًا وراءه قصة كفاح ومجد فني ستبقى تلهم الأجيال المتعاقبة من المبدعين العرب.

