تخيل أن تترك وراءك وظيفة مرموقة ومستقرة، وتخرج من أعماق الأرض المظلمة حيث يُحفر النفط والغاز، لتطارد الشمس والكاميرا في أخطر وأغرب بقاع الكوكب، هذا ليس سيناريو لفيلم هوليوودي، بل هي القصة الحقيقية للمهندس المصري شريف نبيل، الذي لم يكتفِ باستخراج البترول، بل قرر استخراج الحكايات من باطن الشعوب.
شريف الذي شارك في حفر آبار حقل “ظهر”، وحصد جوائز في أبوظبي كأطول بئر جانبي وأسرع حفر، خلع خوذة المهندس ليرتدي قبعة المغامر، ويتحول إلى “بتاع أكشن”، ذلك الرحالة الذي رفع شعارًا جريئًا يعيش به: “أذهب إلى حيث لا يذهب معظم الناس”.
في أكتوبر 2020، اتخذ شريف القرار الذي غيّر مسار حياته تمامًا؛ استقال من وظيفته ليتفرغ لصناعة المحتوى، ليصبح كما يصف نفسه في بايو حساباته: “رجل النفط السابق المقيم في دبي الذي تحول إلى مستكشف”. ما بدأ كصدفة تحول إلى شغف مجنون جعله يجوب نحو 60 دولة و300 مدينة في سنوات قليلة.
اليوم، يلتف حوله جيش من المتابعين، فقناته على يوتيوب تقترب من 634 ألف مشترك، وتيك توك تخطى حاجز المليون ونصف، وإنستجرام كسر الـ 600 ألف، ليتصدر المشهد في “قمة المليار متابع”، ويطل عبر شاشات سكاي نيوز والمشهد وبرنامج مساء أبوظبي، ليروي كيف أصبح السفر أسلوب حياة.
ويكمن سر هذه الجاذبية في “الخلطة الخام”، فشريف لا يبيع لك صورًا مفلترة ولا يجمل الواقع؛ هو يعتمد على التصوير اليدوي والإضاءة الطبيعية في حلقات “فلوج” دسمة تتراوح بين 30 و60 دقيقة. بلهجة مصرية عامية بسيطة وحماس لا ينقطع، يأخذك معه لتأكل طعام الشارع، وتتحدث مع السكان المحليين، وتعيش معه لحظات الإحباط في المطارات ودهشة الاكتشاف. لا يهتم بأسماء المطاعم الفاخرة، بل يبحث عن التجربة الإنسانية البحتة التي تهرب بك من روتين الحياة الممل.
ولأن “بتاع أكشن” يعشق كسر المألوف، فقد تجرأ على دخول مناطق شائكة. سافر إلى اليمن بعد عقود من العزلة، ليوثق عبور الحدود العمانية، ويحضر فرحًا في حضرموت، ويتذوق عسل وادي دوعن، ويصور أقدم ناطحات سحاب طينية في شبام وقبر النبي هود، متسائلًا بصراحة عن التحديات الأمنية هناك.
وفي سوريا، تجول في أقدم سوق في العالم بحلب بأسواقه المتفرعة، قبل أن يقدم حلقة ثقيلة ومؤثرة وناجحة جدًا من داخل سجن صيدنايا العتيق. كما وثق الحياة اليومية في لبنان بعد الحرب. وفي رحلة مليئة بالحنين، عاد إلى أبوظبي حيث بدأ، ليمارس التزلج على الأمواج والكاياك، ويزور المتاحف، ويشرح ببساطة كيف يتحول تحلل الكائنات القديمة إلى نفط وغاز، دامجًا بين ماضيه الهندسي وحاضره الاستكشافي.
أما أفريقيا مع شريف، فلها وجه مختلف تمامًا. بعيدًا عن سفاري الأسود والتماسيح وقبائل الهادزابي والداتوجا، خاض تجربة سفر بري مجنونة لـ 1400 كيلومتر من تنزانيا إلى رواندا وأوغندا في ثلاثة أيام. وفي نيجيريا، ذهب إلى مدينة كانو ليكتشف أكبر تجمعات المسلمين في غرب أفريقيا، موثقًا صلاة عيد الأضحى وتأثير التسجيلات المصرية في حفظ القرآن. وفي المغرب جاب طنجة ومراكش، بينما في بنين، غاص في الثقافة المحلية ليسأل: لماذا يعبدون الثعبان؟ وكيف غيرت هذه القارة نظرته للحياة.
وفي آسيا، اصطاد شريف العجائب بعدسته. في الصين، نقلنا من جمال “بوابة الجنة” ومدن المستقبل في قوانجتشو، إلى مدينة الجليد هاربن والجانب المظلم لسور الصين، وصولًا للصدمة في “تشونجتشينج”، تلك المدينة المجنونة ذات الطرق الثمانية، والقطارات التي تخترق العمارات، ومحطات الوقود المبنية على الأسطح.
وفي إندونيسيا، رافق صيادي العسل في واحدة من أخطر الوظائف في العالم، ووثق قسوة العمل في أخطر منجم كبريت “إيجن”. أما في الهند، فانغمس في جنون أكل الشوارع وروائحه المزدحمة. وفي فيتنام، جرب القهوة بالبيض، وزار حطام طائرة أمريكية، قبل أن يتعرض لموقف درامي بالاحتجاز 28 ساعة في مطار إسطنبول، ليحوله بذكاء إلى محتوى ممتع ومفيد.
ورغم كل هذه المخاطر، يعرف شريف كيف يستمتع بالرفاهية بطريقته الخاصة؛ فقد طار حول نصف الكرة الأرضية من برلين لفرانكفورت لدبي ليقارن بين كبائن درجة رجال الأعمال في 4 طائرات. وفي أوروبا، قطع ألف كيلومتر في الساحل الإيطالي، من نابولي وليمونها وبيتزتها التاريخية، إلى ماتيرا الكهفية التي تشبه استوديوهات هوليوود.
كما كشف سر قرية “وكان” العمانية التي يصوم أهلها 3 ساعات فقط في رمضان. وبعد 1825 يومًا من الكفاح، توج المهندس السابق رحلته بعرض فيلمه الأول في “سينما يوتيوب”، ليثبت للجميع أنه ليس مجرد صانع محتوى، بل رفيق سفر حقيقي يهمس لنا في نهاية كل مغامرة: “دايمًا لسه في جديد، وإحنا هنا عشان نكتشفه سوا”.

