تحل اليوم الخميس 30 أبريل الذكرى الثامنة والعشرون لرحيل قامة أدبية استثنائية لم تكتفِ بتغيير وجه القصيدة العربية، بل أعادت تشكيل الوجدان العربي بين رقة الحب وقسوة السياسة؛ إنه “شاعر الياسمين” ونصير المرأة نزار قباني، الذي غادر دنيانا في مثل هذا اليوم من عام 1998 في لندن، ليعود محمولًا على الأكتاف إلى “الرحم الذي علمه الشعر”؛ دمشق.
من أروقة الدبلوماسية إلى الشعر
وُلد نزار في قلب دمشق عام 1923 لأسرة عريقة تشرب الفن منها؛ فجده هو رائد المسرح العربي أبو خليل القباني. ورغم دراسته للحقوق واحترافه العمل الدبلوماسي الذي طاف به بين القاهرة، لندن، مدريد، وبكين، إلا أن “غواية الكلمات” كانت أقوى من بروتوكولات السفارات، فاستقال عام 1966 ليتفرغ لمشروعه الشعري ويؤسس دار نشره الخاصة في بيروت.
زلزال النكسة وميلاد “الشاعر الثائر”
لم تكن حياة نزار مجرد قصائد غزل، بل كانت حرب 1967 نقطة التحول الكبرى في مسيرته؛ حيث انكسرت ريشة الرومانسية ليحل محلها قلم الناقد. انتقل نزار من “الرسم بالكلمات” إلى الحفر في جسد الواقع العربي بصدق جارح، فكتب “هوامش على دفتر النكسة” التي أثارت عاصفة سياسية وصلت إلى أروقة البرلمانات ومُنع بسببها من دخول بعض الدول، قبل أن يتحول لسان حاله إلى قصائد لاذعة مثل “متى يُعلنون وفاة العرب؟”.
مآسي شخصية
تجرع نزار مرارة الفقد في محطات قاسية شكلت وجدانه؛ بدءًا من انتحار شقيقته رفضًا لزواج إجباري، مرورًا بوفاة ابنه توفيق في ريعان شبابه، وصولًا إلى الفاجعة الكبرى بمقتل زوجته وملهمته “بلقيس الراوي” في تفجير انتحاري ببيروت عام 1982. هذه المآسي جعلت من قصائده صرخات إنسانية تخطت حدود الورق، لعل أبرزها مرثية بلقيس التي حمّل فيها العالم العربي مسؤولية غيابها.
نزار بأصوات العمالقة.. “أيقونة” عابرة للأجيال
لم يقتصر أثر نزار على القراء، بل تسلل إلى البيوت عبر حناجر كبار المطربين؛ فمن “أيظن” التي فتحت له آفاق الشهرة بصوت نجاة الصغيرة، إلى “رسالة من تحت الماء” و”قارئة الفنجان” مع عبد الحليم حافظ. كما شكل ثنائيًا تاريخيًا مع كاظم الساهر في أكثر من 40 قصيدة، وغنت له كوكب الشرق أم كلثوم، وفيروز، وماجدة الرومي، ليتحول شعره إلى مدرسة طربية خلدت كلماته في ذاكرة الملايين.

