في السابع عشر من يوليو من كل عام، تستعيد ذاكرة الفن العربي ملامح واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخنا المرئي؛ إذ تحل ذكرى رحيل الفنان القدير حسين رياض، الذي غادر دنيانا عام 1965 تاركًا خلفه فراغًا لم يسده أحد في تجسيد مشاعر الأبوة الصادقة على الشاشة، بعد مسيرة امتدت لأربعة عقود صاغ خلالها وجدان أجيال متعاقبة.
وتبدأ القصة من حي السيدة زينب العريق بالقاهرة، حيث ولد “حسين محمود شفيق” في يناير 1897 لعائلة ميسورة الحال ذات جذور تركية من جزيرة كريت، لأب مصري يعمل في تجارة الجلود وأم سورية. ورغم النشأة المحافظة، زُرع عشق الفن مبكرًا في قلبه وشقيقه الأصغر “فؤاد شفيق” بفعل زيارات العائلة المستمرة لمسرح سلامة حجازي، وهو الشغف الذي دفعه لاحقًا للتخلي عن مستقبله في الكلية الحربية والانحياز التام لنداء الموهبة.
ولأن عائلته كانت ترفض دخول عالم الفن، اضطر الشاب الطموح إلى اتخاذ قرار غيّر مسار حياته؛ إذ غيّر اسمه إلى “حسين رياض” ليحمي حلمه من غضب أسرته. وجاءت خطوته الاحترافية الأولى عام 1916 على مسرح جورج أبيض في مسرحية “خلي بالك من إميلي” برفقة الكاتبة والفنانة روزاليوسف، لينطلق بعدها متنقلًا بين أعظم الفرق المسرحية في العصر الذهبي، من بينها فرق رمسيس ونجيب الريحاني وعلي الكسار، مقدمًا روائع كلاسيكية مثل “تاجر البندقية” و”مصرع كليوبترا”.
ومع بزوغ فجر السينما، لم يتأخر حسين رياض عن ركوب الموجة الجديدة؛ فبدأ من الأفلام الصامتة في ثلاثينيات القرن الماضي مثل “صاحب السعادة كشكش بيه”، قبل أن يسجل اسمه بأحرف من نور كأحد أعمدة السينما الناطقة، محققًا أولى بطولاته البارزة في فيلم “ليلى بنت الصحراء” عام 1937 بأجر لم يتجاوز 50 جنيهًا، لتتوالى بعدها أعماله التي تخطت مئات الإنتاجات بين السينما والمسرح والإذاعة والتلفزيون.
ولم يكن لقب “أبو السينما المصرية” مجرد تسمية مجازية، بل كان تجسيدًا لقدرته الاستثنائية على الذوبان في شخصياته؛ فالرجل الذي أبكى الملايين في “رد قلبي”، و”دعاء الكروان”، و”في بيتنا رجل”، كان يعيش أدواره بصدق يصل حد الخطورة. وتروي ابنته “فاطمة” أن اندماجه في دور الرجل المشلول بفيلم “الأسطى حسن” جعله يعود إلى بيته عاجزًا عن الحركة مؤقتًا بفعل تقمصه الشديد للشخصية، وهي الواقعة التي تبرهن على عبقريته الفذة.
إلى جانب عبقريته التمثيلية، كان حسين رياض نموذجًا للمثقف الموسوعي؛ إذ تحول منزله إلى صالون ثقافي أسبوعي يجمع صفوة المجتمع الفني والأدبي، وعلى رأسهم الشاعر الكبير إبراهيم ناجي والموسيقار عبده صالح. هذا العطاء الفني والاجتماعي توج بمنحه وسام العلوم والفنون من الرئيس جمال عبد الناصر عام 1962، ليظل رمزًا وطنيًا للفن الملتزم.
وفي مفارقة تراجيدية تشبه نهايات الأفلام، داهمت الأزمة القلبية الفنان القدير أثناء تصوير فيلمه الأخير “ليلة الزفاف” عام 1965، ورغم إعيائه الشديد أصر على البقاء في الاستوديو حتى اللحظات الأخيرة قبل وفاته عن عمر ناهز 68 عامًا. وقد نفذت أسرته وصيته الغريبة بعدم دفنه إلا بعد مرور 24 ساعة، وهي فكرة استلهمها من آخر دور جسده، ليسدل الستار على حياة فنان عاش بالصدق، ورحل تاركًا بصمة دافئة لا تمحوها السنون.

