يوافق اليوم، التاسع من يوليو، الذكرى السنوية لرحيل الأيقونة الفنية عبد المنعم مدبولي (1921 – 2006)، الذي ودع عالمنا عن عمر ناهز 85 عامًا. خمسة عقود من العطاء الصادق جعلت منه حجرًا أساسيًا في بناء الكوميديا العربية، ومؤسسًا لمدرسة أدائية فريدة تركت بصماتها العميقة في المسرح، والسينما، والتلفزيون، والإذاعة.
ورغم مرارة اليتم والفقر التي ذاقها في طفولته بالقاهرة، فإن شرارة الإبداع لمعت لديه مبكرًا في نشاطه المدرسي. لم يكن شغفه الفني محصورًا في التمثيل؛ بل امتد للمجال الأكاديمي حيث درس النحت في كلية الفنون التطبيقية وعمل أستاذًا بها حتى منتصف السبعينيات، مساهمًا خلال تلك الفترة في تقديم وجوه واعدة للساحة الفنية أبرزهم الراحل نبيل الهجرسي.
وتخرج مدبولي في المعهد العالي لفن التمثيل العربي عام 1949 ضمن دفعته الثانية، لينطلق قطاره المهني متنقلًا بين فرقتي جورج أبيض وفاطمة رشدي. ولم تلبث موهبته الصوتية أن وضعت له موطئ قدم في برامج الأطفال مع “بابا شارو”، قبل أن يصنع مجده الإذاعي عبر برنامج “ساعة لقلبك” ومن ثم مسرح التلفزيون. وشكّل مع رفيق دربه فؤاد المهندس وأمين الهنيدي جيل الرواد الثاني، مستلهمين إرث نجيب الريحاني وعلي الكسار، ليتوج مدبولي والمهندس ذلك التعاون بثنائية تاريخية ألهمت الملايين.
ويعد مدبولي مهندس الخارطة المسرحية الحديثة في مصر؛ إذ ساهم في صياغة الهوية الإبداعية لعدة كيانات كبرى، بدءًا من “المسرح الحر” (1952)، و”المسرح الكوميدي” (1963)، وصولًا إلى “الفنانين المتحدين” (1966)، قبل أن يطلق مشروعه المستقل فرقة “المدبوليزم” عام 1975.
وأثرى المسرح ممثلًا ومخرجًا بعدد هائل من الروائع، منها: حسبة برما، الرضا السامي، البيجاما الحمراء، والعيال الطيبين. كما أخرج روائع ستبقى في الذاكرة مثل أنا وهو وهي، جلفدان هانم، والسكرتير الفني. ولم تقتصر عبقريته على الإخراج لفرقه فقط، بل امتدت لفرق أخرى كفرقة إسماعيل ياسين. وتحت عباءته الإخراجية والتمثيلية، ولدت أعمال أسطورية مثل ريا وسكينة، زقاق المدق، وبين القصرين، وتتلمذ على يديه جيل ذهبي من العمالقة يتقدمهم عادل إمام، وسعيد صالح، ويونس شلبي، ومحمد صبحي.
ورغم أن شاشة السينما لم تستقبل مدبولي إلا عام 1958 عبر فيلم أيامي السعيدة، فإن حضوره الطاغي مكنه من تقديم نحو 150 فيلمًا. تميز في البداية بالأعمال الكوميدية الخفيفة مثل ربع دستة أشرار، مطاردة غرامية، وأشجع رجل في العالم.
إلا أن النضج الفني لمدبولي تجلى في أدواره الإنسانية والتراجيدية المعقدة؛ فصاغ نموذجًا حيًا للأب والجد المصري في فيلم الحفيد، وعبر عن آلام المهمشين في مولد يا دنيا. وجاءت ذروة تحوله الدرامي في الفيلم السياسي الخالد إحنا بتوع الأتوبيس، حيث تخلص تمامًا من رداء الكوميديا ليقدم صرخة تجسد قهر الإنسان البسيط. ورغم تقدمه في العمر، ظل مطلوبًا في السينما الحديثة؛ فظهر كعلامة جودة في أفلام مثل كريستال، عايز حقي، وكان آخر ظهور له في فيلم أريد خلعًا عام 2005.
وفي الدراما التلفزيونية، يمتلك مدبولي، الذي تخطت مسلسلاته 30 عملًا، بصمتين لا تمحوهما الأيام؛ الأولى في لا يا ابنتي العزيزة، والثانية في المسلسل الأيقوني أبنائي الأعزاء.. شكراً، الذي ارتبط في وجدان المشاهدين بشخصية “بابا عبده”. وبجانب هذا الحضور الدرامي، وهب مدبولي جزءًا من قلبه للأطفال، مقدمًا لهم أغنيات عبرت الأجيال وصارت جزءًا من الثقافة العربية مثل توت توت، جدو عبده زارع أرضه، والشمس البرتقالي.
وتوجت الدولة المصرية والعالمية مسيرة مدبولي باحتفاء استثنائي؛ فحصد جوائز أفضل ممثل عن أفلام الحفيد ومولد يا دنيا وأهلًا يا كابتن. ونال وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1983، متبوعًا بجائزة الدولة التقديرية عام 1984، فضلًا عن تكريم خاص من الرئيس محمد أنور السادات، وجائزة مهرجان زكي طليمات عام 1986.
وتأكيدًا على عالمية مدرسته الفنية، بات مدبولي أول مبدع عربي تفرد له دائرة المعارف النمساوية مساحة تدوينية خاصة. وقبيل رحيله بأيام في يوليو 2006، كرمه المهرجان القومي للمسرح المصري، ليبقى اسمه وتاريخه الذي شمل 120 مسرحية نابضًا بالحب والحياة في قلوب الجماهير.

