تحل اليوم، التاسع عشر من يونيو، ذكرى ميلاد أحد أبرز أعمدة البهجة والأداء التلقائي في الفن العربي، “جوكر” التمثيل الراحل حسن حسني الذي ولد في مثل هذا اليوم عام 1936 بحي القلعة العريق، ورحل عن عالمنا في 30 مايو 2020 إثر أزمة قلبية مفاجئة عن عمر ناهز 83 عامًا، تاركًا خلفه إرثًا سينمائيًا وتلفزيونيًا ومسرحيًا استثنائيًا يتجاوز الـ 500 عمل فني على مدار ستة عقود.
ورغم ملامحه الضاحكة التي ارتبطت في أذهان الملايين بالكوميديا، إلا أن طفولة حسن حسني شهدت تحديًا قاسيًا بوفاة والدته وهو في سن السادسة، وهو الحدث الذي ترك في نفسه أثرًا عميقًا. وجد الفتى الصغير في المسرح المدرسي بالمدرسة الخديوية والرضوانية ملاذًا آمنًا لتفجير طاقته، وحصد كأس التفوق في التمثيل.
وخلال تلك المرحلة، حظي بتشجيع كبير من الفنان القدير حسين رياض الذي تنبأ بموهبته، ليتخذ حسني قراره الحاسم باحتراف الفن، ويبدأ مسيرته الاحترافية في الستينيات عبر المسرح العسكري، ثم تنقل بين المسرح القومي ومسرح الحكيم وفرقة جلال الشرقاوي.
وبدأت رحلة حسن حسني السينمائية بأدوار ثانوية قصيرة، كان أبرزها تجسيد شخصية أحد الفدائيين في فيلم “الباب المفتوح” عام 1963 أمام سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة. وتوالت مشاركاته بمشاهد معدودة في أفلام مثل “الكرنك”، “لا تطفئ الشمس”، و”الحب تحت المطر”، بالتوازي مع لفت الأنظار تلفزيونيًا في مسلسل “أبنائي الأعزاء.. شكرًا”.
وجاءت النقلة الكبرى والإنطلاقة الحقيقية عام 1982، عندما وثق فيه المخرج الواقعي عاطف الطيب ومنحه دور “عوني” في الفيلم الأيقوني “سواق الأتوبيس” أمام نور الشريف. هذا التعاون فتح له أبواب روائع السينما الواقعية، ليقدم أدوارًا معقدة وشديدة التميز في أفلام مثل “البريء”، “زوجة رجل مهم”، “الهروب”، “سارق الفرح”، و”دماء على الأسفلت” الذي نال عنه جائزة أفضل ممثل من المهرجان القومي للسينما عام 1993 متفوقًا على كبار نجوم جيله.
ومع بداية الألفية الجديدة، تحول حسن حسني إلى “الجوكر” و”تميمة الحظ” التي لا غنى عنها لجيل كامل من نجوم الكوميديا الشباب. كان بمثابة الأب الروحي والركيزة الأساسية لنجاح أفلام علاء ولي الدين، ومحمد هنيدي، وأحمد حلمي، ومحمد سعد، وكريم عبد العزيز، وهاني رمزي. وارتبطت الذاكرة العربية بإيفيهاته وشخصياته في أعمال خالدة مثل “الناظر”، “اللمبي”، “عسكر في المعسكر”، “غبي منه فيه”، و”الباشا تلميذ”.
ولم يقتصر توهجه على السينما؛ حيث قدم للدراما التلفزيونية مسلسلات شكلت وجدان الجمهور العربي مثل “رأفت الهجان”، “المال والبنون”، و”أرابيسك”.
وفي ندوة تكريمه بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 2018، حيث نال جائزة فاتن حمامة التقديرية، كشف حسن حسني عن فلسفته الفنية؛ مؤكدًا أنه لم يشغله يومًا ترتيب اسمه على التتر، بل كان يرفض بطولات مطلقة تسطو على المشاهد، ويفضل الظهور في مشهد واحد يترك بصمة لا تُنسى، مستشهدًا بظهوره الخاطف والمؤثر في فيلم “الهجامة”.
وفي لقاء تلفزيوني سابق، اعترف الراحل بأنه لا يحب مشاهدة أعماله بعد عرضها قائلًا بعزة نفس وثقة: “مش بحب أتفرج على أفلامي لأن أنا عارف قيمة نفسي”. وأضاف أنه عكس الكثير من زملائه، لم يكن يذهب للمونيتور لمشاهدة ما صوره، بل كان يجلس في مكانه واثقًا من إحساسه، ولا يطلب الإعادة إلا إذا شعر هو شخصيًا بضعف في الأداء.
واختتم “الجوكر” رحلته الفنية الثرية في السينما بفيلم “خيال مآتة” (2019)، وتلفزيونيًا بمسلسل “سلطانة المعز” في رمضان 2020، ليرحل في نفس العام تاركًا خلفه مدرسة فنية عنوانها البساطة، التلقائية، والالتزام، ليظل حاضرًا بإبداعه في قلوب الملايين مهما طال الغياب.

