خلف تلك الضحكة المجلجلة، واللهجة الإسكندرانية المميزة التي تطوعها كيفما تشاء، تكمن مسيرة فنية حافلة بالإصرار والذكاء الفني. اليوم الجمعة، الموافق 24 أبريل، تحتفل الفنانة القديرة بدرية طلبة بعيد ميلادها حيث ولدت في عام 1968، وهي ليست مجرد ممثلة كوميدية عابرة، بل هي ظاهرة فنية نجحت في حجز مكانة ثابتة في قلوب الجماهير العربية، حتى أصبحت “إفيهاتها” جزءًا من لغة الشارع اليومية.
ولم تكن رحلة بدرية طلبة إلى أضواء الشهرة مفروشة بالورود، بل كانت نتاج موهبة صقلها الصبر. بدأت الحكاية حين اكتشف موهبتها زوجها المؤلف مصطفى سالم، الذي آمن بقدراتها وقدمها لأول مرة في مسلسل “برج الأبجدية” (الموسم الثاني) من إنتاج اتحاد الإذاعة والتليفزيون. كانت هذه البداية هي حجر الأساس لعلاقة فنية وإنسانية استثنائية، حيث ظل سالم الداعم الأول لها في مسيرتها التي تمتد لأكثر من 20 عامًا.
المسرح.. المدرسة التي صنعت “نجمة الإفيه”
يعتبر المسرح هو “الترمومتر” الحقيقي لموهبة بدرية طلبة؛ فعلى خشبته، وقفت أمام عملاق الكوميديا الراحل سمير غانم في مسرحية “دو ري مي فاصوليا”. هناك، وبخفة دمها الفطرية وحركاتها العفوية، لفتت أنظار المخرج رائد لبيب، الذي رأى فيها مشروع نجمة كوميدية من طراز فريد، ليرشحها للبرنامج الشهير “حسين على الهواء” مع الراحل حسين إمام. كان هذا البرنامج هو “بوابة العبور” الحقيقية، حيث تعرف الجمهور على وجه جديد يمتلك قدرة فائقة على الارتجال وإضحاك الناس بأبسط الكلمات.
وخلف الستار، تحمل بدرية طلبة قصصًا إنسانية مؤثرة؛ فرغم روحها المرحة، كشفت في لقاءات سابقة عن غصة تطاردها كلما رأت عروسًا بالفستان الأبيض. تعود القصة ليوم زفافها الذي تزامن مع عرض مسرحية “أدهم الشرقاوي” في الإسكندرية. ولأنها فنانة ملتزمة، لم تستطع تأجيل العرض، فقررت الاحتفال بزفافها على خشبة المسرح أمام الجمهور، مرتدية “جلبابًا بنفسجيًا” (مثل الشخصية في العرض) مع طرحة بيضاء بسيطة. هذه التضحية من أجل الفن جعلت منها نموذجًا للفنان المتفاني، رغم أنها ظلت تشعر بحرمانها من ليلة العمر التقليدية.
غزو السينما والدراما.. تميمة حظ النجوم
رغم أنها لم تسعَ يومًا خلف “البطولة المطلقة” بمفهومها التقليدي، إلا أن بدرية طلبة أصبحت “تميمة الحظ” في السينما المصرية. من ينسى دورها في “لا تراجع ولا استسلام”، “بنات العم”، “أبو شنب”، أو “جوازة ميري”؟ لقد استطاعت أن ترسم لنفسها خطًا واضحًا في تجسيد شخصية “المرأة الشعبية” بخفة ظل بعيدة عن الإسفاف.
وفي الدراما، تركت بصمة واضحة في مسلسلات مثل “راجل وست ستات” و”نسر الصعيد” مع محمد رمضان، وصولًا إلى تجاربها الحديثة في أفلام “الملكة” و”عادل مش عادل”. كما خاضت تجربة ناجحة في تقديم البرامج عبر برنامج “نفسنة”، الذي أظهر جانبها الاجتماعي القادر على مناقشة قضايا المرأة بأسلوب يمزج بين الجدية والكوميديا.
اليوم، تدخل بدرية طلبة عامًا جديدًا وهي في قمة نشاطها الفني، موازنة بين حياتها الأسرية مع زوجها وابنتيها، وبين وجودها كعنصر أساسي لا غنى عنه في الإنتاجات الكوميدية. هي الفنانة التي قالت يوماً بعفوية: “أنا كنت شبه كيم كاردشيان”، لتسخر من عمليات التجميل بأسلوبها الخاص، وهي التي علمتنا أن “الستر” دعوة جميلة حين تخرج بلكنتها المميزة: “روح إلهي تنستر”.
في عيد ميلادها، لا نحتفل فقط بفنانة قديرة، بل نحتفل بمسيرة امرأة مصرية مكافحة، استطاعت أن تحول بساطتها إلى سحر، وعفويتها إلى منهج في الكوميديا، لتظل دائمًا “بدرية طلبة” التي ينتظر الجمهور طلتها ليضحك من قلبه.

