في مثل هذا اليوم، الخامس عشر من يوليو، ولد فنان استثنائي لم تكن الموهبة لديه مجرد أداء عابر، بل كانت رحلة من المفارقات القدرية والتحولات الدرامية التي صنعت منه أحد أعمدة العصر الذهبي للفن المصري. إنه سراج منير عبد الوهاب، الذي رحل عن دنيانا في سبتمبر 1957، تاركًا خلفه سيرة فنية وإنسانية تشبه سيناريوهات السينما في تقلباتها ومفاجآتها.
تبدأ الحكاية بهروب ساقته الأقدار؛ فالشاب الأرسطوقراطي الذي ولد عام 1904 لعائلة مرموقة (والده عبد الوهاب بك حسن كان مديرًا لوزارة المعارف)، أرسلته عائلته إلى ألمانيا لدراسة الطب عقب إنهائه دراسته في المدرسة الخديوية العريقة بالقاهرة.
لكن رياح برلين جرت بما لا تشتهي سفينة العائلة؛ إذ واجه الشاب ضائقة مالية دفعته للعمل كـ”كومبارس” في السينما الصامتة هناك عبر مخرج ألماني، لتسحره أضواء الفن ويقرر هجر الطب إلى غير رجعة. وفي ألمانيا، التقى برفيق دربه المخرج محمد كريم، ودرسا معًا الإخراج السينمائي، وتنقل بين مسارح ميونخ وبرلين ينهل من الفن الأوروبي.
وقبيل اشتعال شرارة الحرب العالمية الثانية بأيام، تلقى سراج برقية من فرقة مسرحية مصرية تستدعيه للعودة فورًا. كانت هذه البرقية بمثابة “طوق نجاة”؛ إذ أنقذته من أسر واعتقال محتمين للمواطنين الأجانب في ألمانيا مع اندلاع الحرب، ليعود إلى وطنه ويبدأ كتابة التاريخ.
وعند عودته، واجه سراج منير تحديًا مجتمعيًا كبيرًا؛ فالفن في ثلاثينيات القرن الماضي لم يكن مهنة مرموقة لأبناء البكوات، وكان يسعى لإثبات ذاته كفنان رصين يعوض فجوة المكانة الاجتماعية مقارنة بوالده وأشقائه (ومنهم المخرجين فطين وحسن عبد الوهاب).
لذا، تمسك سراج بشدة بأداء الأدوار الرصينة والوقورة، حتى جاء المخرج زكي طليمات ليعرض عليه دور “مخمخ” الكوميدي في أوبريت “شهرزاد”. ثار سراج غضبًا واعتبر العرض محاولة لـ”تحطيم مكانته الفنية”، إلا أن إصرار طليمات صَنَع المعجزة؛ تفجرت ينابيع الكوميديا الكامنة في وجدان الفنان الوقور، واكتشف الجمهور كنزًا ضاحكًا تنقل بعدها بسلاسة بين التراجيديا والخفة، ليثبت أن الموهبة الحقيقية قادرة على إضحاك الجمهور وإدمائه في آن واحد.
ولم تكن مسيرة سراج منير السينمائية عادية؛ فقد شارك عام 1932 في بطولة “أولاد الذوات” أول فيلم مصري ناطق في التاريخ، وهو الفيلم الذي أثار جدلًا سياسيًا واسعًا وقتها مع الجاليات الأجنبية بسبب قصته وجملته الشهيرة “يا امرأة الكل.. يا مزبلة التاريخ”.
ورغم تقديمه لما يقارب المائة فيلم (من بينها 18 بطولة مطلقة)، ظل دوره الأيقوني “عنتر” في فيلم “عنتر ولبلب” عام 1952 برفقة محمود شكوكو، هو العلامة الفارقة والأكثر جماهيرية في وجدان الشارع المصري والعربي.
ولم يقف طموح سراج عند التمثيل؛ فمع تراجع جودة السينما ودخول “أغنياء الحرب” مجال الإنتاج، قرر المغامرة لترقية الفن، وأنتج الفيلم الوطني والتاريخي “حكم قراقوش” عام 1953. وتكلفت المغامرة 40 ألف جنيه (وهو رقم ضخم حينها) ولم يحقق سوى 10 آلاف، مما اضطره لرهن فيلا الزوجية التي أسسها مع شريكة عمره الفنانة ميمي شكيب، والتي عاش معها قصة حب وزواج استمرت 15 عامًا رغم معارضة عائلتها في البداية. هذه الأزمة المالية سببت له ذبحة صدرية أثرت على صحته كثيرًا.
وبعد رحيل أسطورة الكوميديا نجيب الريحاني، تصدى سراج منير بفروسية لإنقاذ فرقته المسرحية من الانهيار، واستطاع سد الفراغ الكبير وقيادتها لبر الأمان، بل وحاول تحويلها لمدرسة لتخريج جيل جديد من الكوميديانات الشباب، وظل وفيًا لخشبة المسرح حتى اللحظات الأخيرة.
وفي 13 سبتمبر 1957، وأثناء عودته من رحلة فنية مع فرقة الريحاني، توقف قلب سراج منير فجأة عن عمر ناهز 53 عامًا، ليرحل بجسده ويبقى حيًا بفنه الأنيق الذي جمع بين وقار البكوات وخفة دم ابن البلد.

