هدير محمد
لم يعد تطوير روبوتات الدردشة يقتصر على جعلها أكثر ذكاءً، بل اتجهت شركات التكنولوجيا خلال السنوات الأخيرة إلى منحها طابعًا أكثر ودًا وقربًا من أسلوب البشر في التواصل، إلا أن دراسة حديثة كشفت أن هذا التوجه قد لا يكون دائمًا ما يفضله المستخدمون.
وأجرى باحثون في جامعة نورث إيسترن دراسة جديدة أظهرت أن المستخدمين يشعرون براحة أكبر عند التفاعل مع روبوتات دردشة تتوافق شخصياتها وأساليبها الحوارية مع طبيعتهم الشخصية، بدلًا من الاعتماد على أسلوب ودود ومتحمس بشكل دائم.
وتتحدى نتائج الدراسة إحدى أبرز الأفكار التي اعتمدت عليها شركات الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة، وهي أن زيادة التعبير العاطفي وجعل المساعدات الرقمية أكثر إنسانية يؤدي تلقائيًا إلى تحسين تجربة المستخدم.
وأظهرت النتائج أن التوافق الشخصي بين المستخدم وروبوت الدردشة يلعب دورًا أكبر مما كان متوقعًا، فالأشخاص الذين يفضلون الأسلوب الهادئ والمباشر وجدوا أنفسهم أكثر ارتياحًا مع مساعدين يتحدثون بالطريقة نفسها، بينما فضّل المستخدمون الأكثر اجتماعية المساعدات التي تتسم بالحيوية والتفاعل.
وفي المقابل، اتفق معظم المشاركين على عدم ارتياحهم لروبوتات الدردشة التي تبالغ في إظهار الحماس أو الود في جميع المواقف، بغض النظر عن طبيعة الحديث أو سياقه.
وأشارت الدراسة إلى أن المستخدمين يستطيعون التمييز سريعًا بين الأسلوب الطبيعي والأسلوب المتكلف. فعندما يبدو الود مصطنعًا أو مبالغًا فيه، لا يؤدي ذلك بالضرورة إلى زيادة الثقة، بل قد يخلق شعورًا بعدم الارتياح ويؤثر سلبًا على مصداقية التفاعل.
وتزداد أهمية هذه النتائج مع التوسع الكبير في استخدام روبوتات الدردشة في مجالات عديدة، مثل خدمة العملاء والتعليم وأدوات الإنتاجية والمساعدات الشخصية وحتى تطبيقات الصحة النفسية.
وتواصل شركات التكنولوجيا الكبرى استثماراتها الضخمة في تطوير أنظمة محادثة أكثر طبيعية وقدرة على فهم احتياجات المستخدمين والتفاعل معهم بشكل أفضل.
لكن الدراسة توضح وجود فارق دقيق بين أن يبدو الذكاء الاصطناعي طبيعيًا وإنسانيًا، وبين أن يبدو وكأنه يحاول تقليد البشر بشكل مبالغ فيه.
وقد تعكس هذه النتائج تحولًا في فلسفة تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي، حيث يرى الباحثون أن الأصالة والقدرة على التكيف مع المستخدم قد تكونان أكثر أهمية من مجرد رفع مستوى الود والانفعالية.
وأصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي جزءًا من الحياة اليومية لملايين الأشخاص، سواء عبر الهواتف الذكية أو محركات البحث أو تطبيقات العمل المختلفة، لذلك فإن أسلوب تواصل هذه الأنظمة مع المستخدمين يؤثر بشكل مباشر على مستوى الثقة والراحة والرغبة في استخدامها باستمرار.
وتكشف الدراسة عن جانب نفسي مهم، وهو أن الأشخاص لا يتفاعلون بالطريقة نفسها مع مختلف الشخصيات. وعندما لا يتناسب أسلوب المساعد الرقمي مع توقعات المستخدم، فقد يؤدي ذلك إلى شعور متزايد بالإزعاج أو الإرهاق الذهني مع مرور الوقت.
ويتوقع الباحثون أن تتجه أنظمة الذكاء الاصطناعي مستقبلًا نحو مزيد من التخصيص، بحيث تتمكن من تعديل نبرة الحديث وسرعته وأسلوب التفاعل بما يتناسب مع شخصية كل مستخدم وتفضيلاته.
وقد يفتح ذلك الباب أمام جيل جديد من المساعدات الرقمية المصممة خصيصًا لكل فرد، بدلًا من الاعتماد على أسلوب واحد يناسب الجميع.
وفي النهاية، تشير الدراسة إلى أن كثيرًا من المستخدمين لا يبحثون عن صديق افتراضي دائم الحماس، بقدر ما يريدون مساعدًا ذكيًا وموثوقًا وطبيعيًا، يقدم المساعدة بفعالية دون مبالغة أو تصنع.

