هدير محمد
في زمن يمر فيه كثيرون على الأغاني كمستمعين فقط، اختار أحمد صلاح أن يتوقف عند كل نغمة وتفصيلة موسيقية ليحكي للجمهور ما يحدث خلف الكواليس، من خلال قناته “حواديت أبو صلاح”، نجح في تحويل تحليل الموسيقى من مادة متخصصة إلى حكايات مشوقة تجذب عشاق الفن والموسيقى، مستعرضًا أسرار الألبومات وكواليس صناعة الأغنيات وأسباب نجاح النجوم الذين صنعوا تاريخ البوب عربيًا وعالميًا.
بدأ رحلته على يوتيوب بمحتوى بعيد تمامًا عن الموسيقى، قبل أن تقوده الصدفة وشغفه القديم بالأغاني إلى المسار الذي حقق له التفاعل والانتشار، وبين عمرو دياب ومايكل جاكسون، والتنقيب في أدق تفاصيل التوزيع الموسيقي والهندسة الصوتية، استطاع أن يصنع لنفسه بصمة مختلفة بين صناع المحتوى الموسيقي.
في هذا الحوار، يتحدث أحمد صلاح عن بداياته، وسر تعلقه بتفاصيل الموسيقى، ورؤيته لنجاح عمالقة البوب، ومستقبل الراب والهيب هوب، وأحلامه المؤجلة لتوثيق تاريخ الموسيقى العربية في حلقات يطمح إلى تقديمها قريبًا.
ما اللحظة التي قررت فيها الانتقال من مجرد مستمع ومتذوق للموسيقى إلى صانع محتوى يحلل تفاصيلها؟
بدأت رحلتي مع اليوتيوب في أبريل عام 2024، وبعد أن قدّمت محتوى كرويًا لمدة عام كامل دون تحقيق مشاهدات تُذكر، باستثناء حلقتين عن عمرو دياب وتامر حسني حققتا تفاعلًا جيدًا، بدأت ألاحظ أن حديثي عن الأغاني مع أصدقائي وتحليلي لها يلقى اهتمامًا لديهم. كنت منذ طفولتي شغوفًا بالموسيقى، فقد كنت أستمع إلى الأغاني منذ سن الثالثة، وكنت أمتلك جهاز “ووكمان” وسماعة في ذلك العمر، وأعتاد النوم على صوت عمرو دياب في ألبوم “أيامنا”. لذلك قررت أن أنقل هذا الشغف إلى محتوى يُقدَّم للجمهور بنفس التفاصيل التي أسمعها في الموسيقى.
لماذا اخترت اسم “حواديت أبو صلاح”، وهل ترى أن أسلوب السرد القصصي يجعل التحليل الموسيقي أقرب للجمهور؟
اخترت اسم “حواديت أبو صلاح” لأنني أردت أن أقدّم للمستمع فكرة أنه يستمع إلى حكاية لا إلى تحليل أكاديمي، مما يجعل التجربة أكثر بساطة وتشويقًا. كما أن أسلوب الحكاية، مهما كان معقدًا، يجعل المتلقي أكثر استعدادًا للإنصات، لأنه يتعامل معه كقصة وليس كنقد مباشر.
في البداية، هل كنت تخشى أن يكون المحتوى الموسيقي والتحليلي ثقيلًا على الجمهور أو لا يحقق انتشارًا على يوتيوب؟
لم أكن قلقًا بشأن الانتشار، لأن هدفي لم يكن مطاردة الترند بقدر ما كان تقديم محتوى أستمتع بصناعته وأستمتع بمشاهدته. كما أن هناك نماذج عديدة أثبتت نجاح المحتوى الموسيقي، وأرى أن اهتمام الجمهور بالتفاصيل في تزايد مستمر.
خصصت حلقات مميزة عن عمرو دياب ومايكل جاكسون، برأيك ما القاسم المشترك الذي جعلهما يحافظان على مكانتهما في قمة موسيقى البوب لسنوات طويلة؟
القاسم المشترك بين عمرو دياب ومايكل جاكسون هو الاهتمام المفرط بالتفاصيل. فمثلًا أغنية “بيلي جين” تم عمل مكساج لها عشرات المرات حتى وصلت إلى نسختها النهائية، وكذلك ألبوم “علم قلبي” لعمرو دياب أعيد تقديمه وتسجيله أكثر من مرة بتوزيعات مختلفة. هذا الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة هو ما يصل إلى الجمهور في النهاية، رغم أن البناء الموسيقي نفسه يكون في غاية التعقيد.
برأيك، لماذا تُعد حلقة “علم قلبي” من أبرز وأهم الحلقات في قناتك، وما الذي يميز هذا الألبوم موسيقيًا؟
تُعد حلقة “علم قلبي” من أبرز حلقات القناة، رغم أنني قدمت العديد من الحلقات عن عمرو دياب. هذا الألبوم تحديدًا أعتبره من أقوى الأعمال الموسيقية، لأنه مثّل حالة تطور واضحة في شكل الأغنية العربية عند صدوره، وضم أفكارًا موسيقية جديدة وتفاصيل دقيقة في التوزيع، وأرى أنه حتى اليوم لم يظهر ألبوم عربي أحدث نفس التأثير الذي أحدثه “علم قلبي” في ذلك الوقت.
كيف كان تفاعل الجمهور العربي مع حلقات مايكل جاكسون والتفاصيل التقنية مثل الـ Bass Line وهندسة الصوت؟
فوجئت كثيرًا بتفاعل الجمهور العربي مع هذه الحلقات، واكتشفت أن هناك شريحة كبيرة تمتلك وعيًا موسيقيًا حقيقيًا، وتستوعب التفاصيل التقنية التي أقدمها وتستمتع بها.
برأيك، ما الذي جعل مايكل جاكسون يتربع لسنوات طويلة على عرش الموسيقى؟
مايكل جاكسون حالة فنية استثنائية يصعب تكرارها، فقد جمع بين الأداء المسرحي المبهر، والكاريزما العالية، والقدرة على تقديم استعراض متكامل مع الغناء الحي بمصاحبة فرقة موسيقية، وهو ما يتطلب موهبة نادرة. كما أن سر خلود أغانيه يعود إلى المزج الذكي بين الفانك والروك والسول والـ R&B داخل قالب البوب الجماهيري، وهي معادلة بالغة الصعوبة. ولا يمكن تجاهل دور الموزع والمنتج كوينسي جونز، الذي أعتبره الجندي المجهول في هذه المسيرة الفنية الاستثنائية.
استطاع مايكل الوصول إلى الأجيال الحالية، برأيك ما سر هذا الاستمرار رغم رحيله منذ سنوات طويلة؟
لعب فيلم “مايكل” دورًا مهمًا في تعريف الأجيال الجديدة بهذه الأسطورة التي عشنا معها، خاصة أن الكثيرين لم يشاهدوا مايكل في ذروة نجاحه. وقد ساعد الفيلم في إعادة تقديم سيرته الفنية لجمهور جديد، مما دفعهم للعودة إلى أعماله واكتشافها، وهو ما انعكس على انتشار موسيقاه من جديد عبر المنصات المختلفة.
برأيك، من الفنانين الذين تتوقع لهم نجاحًا مشابهًا لعمرو دياب ومايكل جاكسون؟
على الساحة العربية أرى أن تامر حسني ومحمد حماقي من الأسماء المستمرة والمؤثرة، وعلى المستوى العالمي هناك ذا ويكند وتايلور سويفت يمتلكون قاعدة جماهيرية ضخمة واستمرارية واضحة.

كم يستغرق إعداد الحلقة الواحدة من البحث حتى المونتاج؟
يستغرق إعداد الحلقة الواحدة حوالي أحد عشر يومًا، حيث أبدأ بسماع الألبوم لمدة يومين، ثم تحليل كل الآلات والتفاصيل الموسيقية لمدة أربعة أيام، تليها مرحلة كتابة الحلقة على مدار يومين، ثم يوم للتصوير، وأربعة أيام للمونتاج، وكل ذلك أقوم به بشكل فردي.
كيف تتعامل مع الانتقادات أو الهجوم من جماهير الفنانين؟
أعتبر الانتقادات أمرًا طبيعيًا، فاختلاف الآراء جزء أساسي من أي محتوى. ومع الوقت تعلمت الكثير من الملاحظات والنقد، وما زلت أتعلم حتى الآن، لأن النقد البناء يساعد أي صانع محتوى على التطور.
كيف تفصل بين ذوقك الشخصي والموضوعية عند تقييم الأغاني؟
أحاول قدر الإمكان الفصل بين الذوق الشخصي والتحليل الموضوعي، فقد لا تعجبني بعض الأغاني، لكن هذا لا يمنع من تحليلها فنيًا وتقديم قراءة عادلة لها.
كيف ترى صعود موسيقى الهيب هوب والراب العربي في السنوات الأخيرة؟
أرى أن صعود الراب والهيب هوب أمر طبيعي نتيجة تغير أذواق الجمهور، فبعد فترة طويلة من سيطرة الأغاني العاطفية، أصبح هناك مساحة أكبر للتعبير عن قضايا الحياة اليومية. وهذا لا يعني تراجع الأغنية الطربية، بل يعكس تنوع المشهد الموسيقي. ويمكن ملاحظة أن بعض التجارب الكبرى مثل مايكل جاكسون كانت تعتمد على التنوع داخل الألبوم الواحد بين أنماط موسيقية مختلفة.
هل ترى أن الذكاء الاصطناعي تهديد للإبداع الموسيقي أم أداة مساعدة؟
التكنولوجيا بشكل عام تهدف إلى التسهيل، والذكاء الاصطناعي جزء من ذلك. أراه أداة يمكن أن تساعد في بعض الجوانب، لكن لا يمكن أن تحل محل الإبداع البشري، لأن جوهر الفن مرتبط بالإنسان ومشاعره وخبراته.
ما الحلقة أو الحدوتة التي تحلم بتقديمها مستقبلًا؟
أحلم بتقديم حلقة توثق تطور الموسيقى في الوطن العربي عبر العقود المختلفة، إلى جانب حلقة عن تاريخ موسيقى الراي وتطورها، وأعتبرهما من أهم المشاريع التي أتمنى تنفيذها خلال الفترة المقبلة.

