هدير محمد
برحيل الموسيقار الكبير هاني شنودة، صباح اليوم الإثنين، فقدت الساحة الفنية أحد أبرز رواد الموسيقى في مصر والعالم العربي، بعدما ترك بصمة استثنائية امتدت لأكثر من خمسة عقود، لم تقتصر على التأليف والتوزيع الموسيقي، بل شملت اكتشاف وصناعة عدد كبير من النجوم الذين أصبحوا لاحقًا من أهم الأسماء في الغناء المصري والعربي، ليظل اسمه حاضرًا باعتباره أحد أبرز صناع الأجيال في تاريخ الموسيقى.
وشهدت الحالة الصحية لهاني شنودة تدهورًا ملحوظًا خلال الأيام الأخيرة، بعدما تعرض لوعكة صحية شديدة استدعت نقله إلى أحد المستشفيات، حيث مكث داخل غرفة العناية المركزة لمدة قاربت الأسبوعين، قبل أن يدخل في غيبوبة كاملة ويظل تحت الرعاية الطبية المكثفة حتى وافته المنية صباح اليوم، لتُسدل الستارة على مسيرة فنية استثنائية حافلة بالعطاء.
وُلد هاني شنودة بمدينة طنطا عام 1943، ودرس الموسيقى أكاديميًا، قبل أن يبدأ مشواره الفني مع عدد من الفرق الموسيقية، حتى جاءت محطته الأبرز عام 1977 بتأسيس فرقة “المصريين”، التي شكلت نقلة نوعية في الأغنية الشبابية المصرية، بعدما مزجت بين الألحان العصرية والكلمات البسيطة والتوزيع الموسيقي الحديث.

وجاء تأسيس الفرقة بعد حوار فكري جمعه بالأديب العالمي نجيب محفوظ، الذي ناقش معه أهمية تقديم أغنية تعبر عن الشارع المصري بلغة قريبة من الناس، وبموسيقى تواكب التطورات العالمية.
ومن هذا التصور ولدت فرقة “المصريين”، التي أصبحت النواة الأولى لظاهرة الفرق الغنائية في مصر، وحققت نجاحًا كبيرًا من خلال ألبومات وأغانٍ شهيرة، من بينها “بحبك لا”، و”ماشية السنيورة”، و”بنات كتير”، مقدمة شكلًا جديدًا للأغنية المصرية.
ولم تتوقف بصمة هاني شنودة عند صناعة الموسيقى، إذ عُرف أيضًا بأنه أحد أبرز مكتشفي المواهب في الوطن العربي، ويُحسب له اكتشاف وتقديم عدد من كبار نجوم الغناء، في مقدمتهم الهضبة عمرو دياب، الذي اكتشفه خلال إحدى حفلات فرقة “المصريين” في بورسعيد، وشجعه على الانتقال إلى القاهرة ودراسة الموسيقى. ومنحه أول فرصة حقيقية من خلال ألبوم “يا طريق”، فلحن له أربع أغنيات، وتولى توزيع الألبوم بالكامل، كما عرفه بعدد من كبار الشعراء والملحنين، من بينهم صلاح جاهين، وشوقي حجاب، وعبد الرحيم منصور، وعزيز الناصر.

كما لعب دورًا محوريًا في بدايات الكينج محمد منير، إذ تولى توزيع ألبومه الأول “Sعلموني عنيكي” بالكامل، ولحن له أربع أغنيات، قبل أن يواصل التعاون معه في ألبوم “بنتولد”، الذي لحن فيه ثماني أغنيات، إلى جانب توزيعه الموسيقي الكامل، ليسهم في رسم الملامح الأولى لمسيرة منير الفنية.
وامتدت بصماته إلى التعاون مع نخبة من كبار نجوم الغناء، فلحن لنجاة الصغيرة أغنيات من بينها “بحلم معاك” و”أنا بعشق البحر”، كما قدم لفايزة أحمد أغنية “هدى الليل”، وتولى توزيع عدد من أعمالها، من بينها “دنيا جديدة” و”على وش القمر”.

ولم تقتصر إبداعاته على الغناء، بل امتدت إلى السينما، حيث وضع الموسيقى التصويرية لأكثر من 150 عملًا سينمائيًا وتلفزيونيًا، من أبرزها “المشبوه”، و”الحريف”، و”غريب في بيتي”، و”الغول”، و”الأسطى المدير”، و”شقة الأستاذ عليوة”، لتصبح موسيقاه جزءًا أصيلًا من ذاكرة السينما المصرية.
وعلى مدار مسيرته الفنية، قدم هاني شنودة مئات الألحان والمؤلفات الموسيقية، ونال العديد من الجوائز والتكريمات، كان أبرزها جائزة الدولة التقديرية في الفنون عام 2023، تقديرًا لعطائه الكبير وإسهاماته البارزة في تطوير الموسيقى المصرية والعربية، تاركًا إرثًا فنيًا سيبقى حاضرًا في وجدان الأجيال، بعدما نجح في صناعة مدرسة موسيقية خاصة به، وأسهم في اكتشاف أجيال كاملة من النجوم الذين واصلوا مسيرته في إثراء الأغنية العربية.

