من اللعب العفوي في أزقة الشوارع، إلى تمثيل “منتخب العالم” ومصافحة كبار أساطير الكرة، رسمت مروة الحواط رحلة استثنائية جعلت منها إحدى أبرز رائدات كرة القدم النسائية في مصر والوطن العربي. لم تكتفِ الحواط ببناء مسيرة حافلة بالإنجازات داخل المستطيل الأخضر كلاعب ومدربة معتمدة، بل واصلت التأثير عبر المنصات الرقمية لتقدم محتوى يلهم أجيالًا جديدة من الفتيات، ويجمع بين الاحتراف الرياضي والروح الكوميدية العفوية.
الانطلاقة الأولى
تعود الجذور الأولى لقصة الحواط إلى عام 1992، حينما رصد والدها شغفها الذي لا ينطفئ بالساحرة المستديرة. في ذلك الوقت، كانت فكرة ممارسة الفتيات لكرة القدم شبه معدومة في مصر، لكن تأسيس الدكتورة سحر الهواري لأول مدرسة كروية نسائية في المركز الأولمبي كان بمثابة طوق النجاة. انضمت مروة لتكون واحدة من بين 30 فتاة فقط يشكلن النواة الأولى للكرة النسائية المصرية.
رغم قسوة البدايات، وسخرية البعض في مجتمع لم يكن متقبلًا للفكرة بعد، اتخذت مروة من هذا الرفض وقودًا لرحلتها. انطلقت مسيرتها الرسمية لتتألق مع نادي المعادن (جولدي حاليًا) ثم نادي وادي دجلة، وصنعت انطلاقتها الحقيقية عام 1997 حين ساهمت في حصد المركز الثاني بالبطولة العربية، وهو الإنجاز الذي دفع اتحاد الكرة لاعتماد اللعبة رسميًا.
العالمية ومصافحة الأساطير
تدرجت مروة بخطى ثابتة حتى ارتدت شارة قيادة منتخب مصر، لكن الإنجاز الأبرز كان على الصعيد الدولي. فبعد أن مُثّلت منتخب العرب كأفضل لاعبة مصرية في عامي 2001 و2003، جاءتها الفرصة الذهبية عام 2004 بتمثيل مصر ضمن “منتخب العالم” لمواجهة بطل العالم (المنتخب الألماني) في احتفالية الاتحاد الدولي “فيفا” بمئويته.
تلك المباراة التي أقيمت وسط حضور 80 ألف متفرج، وفي نفس اليوم والملعب الذي شهد مباراة البرازيل وفرنسا للرجال، كانت محطة فاصلة. دخلت مروة ضمن التشكيل الأساسي، ورغم رهبة الموقف، قدمت أداءً مبهرًا. وعقب اللقاء، عاشت لحظات استثنائية حين توجه إليها أساطير اللعبة، الأسطورة الفرنسية زين الدين زيدان، ومثلها الأعلى البرازيلي روبرتو كارلوس، لتحيتها والإشادة بموهبتها، في مشهد وصفته بأنه “أفضل شعور في العالم”.

ولم يخلُ هذا الحدث من مفارقات القدر، فقد تزامن مع حصول مصر على “صفر” المونديال الشهير، ليكون رئيس الكاف حينها، عيسى حياتو، حريصًا على مواساتها، مما أضفى على تجربتها بُعداً وطنياً عميقاً. ورغم هذا المجد، اتخذت الحواط قرارًا شجاعًا بالاعتزال المبكر في سن الثالثة والعشرين، مفضلة الخروج وهي في قمة مجدها كأفضل لاعبة في الدوري، هربًا من شبح الإصابات المتلاحقة.
عقلية المدربة
لم يكن الاعتزال سوى نهاية فصل وبداية آخر. تسلحت مروة بالشهادات المعتمدة منذ عام 2007، واقتحمت عالم التدريب لتشغل منصب المدرب العام للمنتخب الوطني الأول وللناشئات تحت 17 سنة. ولم تقتصر بصمتها على المستوى المحلي، ففي عام 2023 استعان بها الاتحاد الليبي لكرة القدم كمدير لإدارة تطوير الكرة النسائية هناك، لإعادة بناء اللعبة من الصفر.
وفي موسم (2024-2025)، قادت الحواط فريق سيدات “مودرن سبورت” لإنهاء الدوري في المركز السادس، إلى جانب عملها كمدير فني لأكاديمية “G Girls” المتخصصة في صقل المواهب الناشئة من الفتيات في مصر.

النجومية الرقمية
في عصر السوشيال ميديا، أدركت مروة الحواط كيف تصل إلى قلوب الجيل الجديد. عبر صفحتها على “فيسبوك“، خلقت لنفسها هوية رقمية فريدة من خلال مقاطع “الريلز” القصيرة السريعة.
تعتمد الحواط في محتواها على لغة عربية مصرية عامية، بسيطة ومباشرة، تكسر بها الحواجز مع جمهورها، وتتنوع فيديوهاتها بين الاحترافية الفنية التي تقدم من خلالها لقطات حية من تدريبات أكاديمية “G Girls” وتوجيهات فنية دقيقة للناشئات تتعلق بأساسيات التسديد واستقبال الكرة وكيفية التعامل مع بعض المواقف الصعبة، وهناك أيضًا الكوميديا العفوية التي تبرز من خلالها يوميات مرحة من قلب الملعب أفرزت “إفيهات” ارتبطت بها الجماهير، مما يظهر الوجه الإنساني المرح للمدربة الصارمة والذي يبرز وبشدة في الحوارات الجانبية مع اللاعبين واللاعبات التي تحرص على مشاركتها مع الجمهور بصورة مستمرة.
وتحرص الحواط في محتواها على تقديم رسائل مستمرة لتشجع الفتيات على اقتحام المجال، وتطمئن الأمهات على بناتهن، مستخدمة الأكاديمية كبيئة آمنة وداعمة، وتظهر أيضًا في قيديوهاتها تدريبها للناشئين أي أنها لا تهتم فقط بالناشئات بل تحرص على اكتشاف أبرز المواهب بشكل عام من أجل تقديمها لكرة القدم المصرية من خلال الإعلان بشكل مستمر عن مواعيد إجراء الاختبارات وأماكنها.
وتحقق هذه الفيديوهات مئات الآلاف من المشاهدات، مما جعل صفحتها ليست مجرد منصة ترويجية، بل نافذة يومية تساهم في نشر ثقافة الكرة النسائية في البيوت المصرية والعربية.

