لم يكن قرار الاستغناء عن الرداء الأبيض مجرد تغيير في مسار أحمد عبد المنعم، بل كان بداية لولادة واحدة من أبرز التجارب في عالم محتوى الطعام بمصر.
فمن قلب عيادته لطب الأسنان، قرر ابن الإسكندرية أحمد عبد المنعم، المعروف جماهيريًا بـ “منعش”، التخلي عن مهنته المستقرة واللحاق بشغفه الحقيقي، ليتحول من معالج لآلام الأسنان إلى أشهر مراجع للمطاعم في عروس البحر المتوسط.
هذا الطبيب الإسكندراني المولود في ثمانينيات القرن الماضي، لم تمنعه الانتقادات الحادة من المحيطين حين غامر بإغلاق عيادتين كان يمتلكهما بعدما شعر بعدم الراحة والانتماء للمهنة. وواصل الإصرار على مساره الجديد حتى حقق نجاحًا ماليًا واجتماعيًا بارزًا، كان من مظاهره حصوله لاحقًا على الإقامة الذهبية في دبي، إلى جانب ظهوره العائلي البسيط والمحبب مع ابنته “نور” في مقاطع فيديو مثل زيارتهما المشتركة إلى “دريم بارك”.
وقد تكلل هذا التحول المهني بإنشاء منظومة رقمية ضخمة تلتف حول محبته العميقة للإسكندرية وتجارب مطاعمها؛ حيث يتجاوز عدد متابعي صفحته الرسمية على فيسبوك حاجز 3.6 مليون متابع، وقناته على يوتيوب التي تحمل الاسم نفسه أكثر من 1.2 مليون مشترك، إلى جانب نشاطه الكثيف على حساباته في إنستجرام وتيك توك. وتعد هذه الأرقام الامتداد الطبيعي لنجاحه القياسي منذ البدايات، حين تمكن في بداية رحلته كصانع محتوى من حصد أول 100 ألف مشترك في زمن قياسي لم يتجاوز 5 أشهر.
ولا يتوقف محتوى “منعش” عند حدود الوقوف أمام الكاميرا لتناول الطعام، بل يمارس دوره كمراجع ومجرب محترف يقدم جولات ميدانية تشمل مطاعم الإسكندرية الشهيرة والمجهولة، ليجرب أصنافًا تقليدية وأخرى عالمية، كما يخوض تحديات مبتكرة وسلاسل منتظمة.
ويتميز أسلوبه بالصدق والعفوية التامة والمرح دون تكلف، معتمدًا على لغة عامية مصرية سلسة وتصوير وإضاءة بأسلوب بسيط يقرّبه من المتابعين، حيث ينزل إلى الشارع ويختار أماكنه عشوائيًا أو بناءً على ترشيحات الجمهور، ليطلب المنيو كاملًا أو أطباقًا محددة، ملقيًا بتعليقاته الصريحة على الجودة والطعم والسعر والنظافة، بعيدًا عن المبالغة في المديح أو محاباة النقد.
وتتنوع السلاسل والمحتويات التي يطل بها “منعش” وتتجاوز مشاهدات بعضها ملايين ومئات الآلاف؛ مثل سلسلة “حرب المطاعم” الرمضانية التي يختار فيها صنفًا واحدًا كالشاورما أو الكفتة المشوية أو الحواوشي ويجربه من 8 مطاعم مختلفة ليجري تصفية وتتويج المطعم البطل عبر القرعة.
كما يبرز اهتمامه باكتشاف المطاعم غير المشهورة عبر التجول العشوائي في الشوارع، وابتكار خلطات غريبة مثل “كشري بالناشفيل” و”كرواسون بالفلافل”، وتجربة وصفات المتابعين المختلفة مثل “فلافل بالعسل الأسود” أو “فول بالقشطة”.
يضاف إلى ذلك تحديات الألوان كأكل كل شيء أحمر لمدة 24 ساعة، ومواكبة تريندات التواصل الاجتماعي، وتنظيم جولات أكل دولية ومحلية لمأكولات صينية وإيطالية ويمنية أو تجربة فروع المطاعم الشهيرة الوافدة إلى الإسكندرية، علاوة على الفيديوهات الشخصية التي تستعرض طعامه خارج التصوير، وذكريات طفولته مع الطعام، وحلقات طلب الأكل العشوائي الكامل أو مراجعة أغلى المطاعم.
وتحول “منعش” من مجرد هاوٍ إلى مرجع موثوق وأساسي لأهالي الإسكندرية وزوارها الراغبين في الحصول على توصيات صادقة عن المطاعم بعيدًا عن الدعاية الزائفة.

