قد تبدأ الحكاية بطبق على مائدة، لكنها عند مصطفى ميكا لا تنتهي عند أول لقمة. فالمطعم، في عالمه، ليس مجرد عنوان على الخريطة، والطعام ليس مجرد وجبة تُلتقط لها صورة ثم تُنسى؛ بل مغامرة كاملة تبدأ من المكان، وتمر بطريقة التقديم، وتصل إلى تفاصيل الطبق، قبل أن تتحول أمام الكاميرا إلى تجربة قابلة للحكي والمراجعة، وربما إلى دليل عملي لمن يفكر في خوضها بنفسه.
واختار ميكا أن يبني لنفسه طريقًا مختلفًا، يجمع بين مراجعة الأطعمة والمطاعم وبين الطهي وإعداد الطعام. واللافت في تجربة ميكا أن قصته مع صناعة المحتوى لم تبدأ مع موجة الفيديوهات القصيرة التي اجتاحت المنصات خلال السنوات الأخيرة؛ فقناته على يوتيوب تعود إلى عام 2016، أي قبل سنوات من صعود تيك توك بالشكل الذي نعرفه اليوم. وخلال هذه الرحلة، حصدت القناة أكثر من 86 مليون مشاهدة عبر 424 فيديو، ووصل عدد مشتركيها إلى نحو 184 ألفًا، في مسار يكشف عن تجربة ممتدة لا ترتبط بترند عابر أو موجة مؤقتة.
وتختصر عبارة “دليلك في المطبخ والمطعم” التي تظهر في تعريف قناته على يوتيوب جانبًا كبيرًا من فلسفته في صناعة المحتوى، إلى جانب عبارة “ولا غلطة” المرتبطة بهويته. فميكا لا يتعامل مع الطعام باعتباره سؤالًا واحدًا من نوع “هل الأكل حلو؟”، وإنما يحاول تقديم تجربة أكثر اتساعًا، تتحرك بين المطعم والمطبخ، وبين اكتشاف الأطباق ومراجعتها، لتمنح المتابع مساحة أقرب إلى الدليل العملي منها إلى مجرد مشاهدة شخص يتناول وجبة أمام الكاميرا.
ومن هنا يأتي تنوع المحتوى الذي يقدمه ميكا، إذ لا يحصر نفسه في مراجعة المطاعم، ولا يجعل المطبخ مجرد مساحة لتصوير الوصفات، وإنما يتحرك بين الاثنين باستمرار. فتارة يقدم وصفة منزلية بالتفصيل، وتارة يضع طبقًا جاهزًا في مواجهة نسخة مطهية داخل المنزل، وفي أحيان أخرى يخوض تجربة في مطعم أو يبحث عن وجبة شعبية في السعودية، بينما تمنحه الفيديوهات القصيرة مساحة أخرى لمطاردة الأفكار السريعة والترندات والتجارب التي يمكن اختزالها في دقائق أو ثوانٍ.
وفي المطبخ، تبدو الوصفة عند ميكا أقرب إلى تجربة عملية منها إلى درس تقليدي في الطهي. ففي إحدى حلقاته يقدم “الكبسة المصرية”. ولا يكتفي بعرض الخطوات، بل يضع الوصفة المصرية في سياقها، مقارنًا نكهاتها بما يعرفه الجمهور عن الكبسة السعودية.
وتظهر هذه الروح التجريبية بشكل أوضح في حلقات الحلويات. ففي تجربة “القشطوطة”، لا يكتفي ميكا بعرض طريقة التحضير، بل يحول الوصفة إلى تحدٍ كامل، متسائلًا: “مين بيكسب؟ الستريبس بالحليب ولا في البيت؟”.
ولا تتوقف مغامراته المنزلية عند الوصفات المصرية؛ إذ يذهب أحيانًا إلى أكلات من مطابخ عربية مختلفة، مثل العصيدة أو العريكة. وفي إحدى التجارب يبدأ من فضوله الشخصي تجاه الطبق، موضحًا: “أنا دايمًا بشوف فيديوهات الأكلة دي وكنت متفاجئ من شكلها وطريقة أكلها”، قبل أن يشرح أن إعدادها يعتمد على مكونات بسيطة مثل التمر والدقيق. ويستبق كذلك اعتراضات الجمهور، متوقعًا أن يقول له البعض إنه يقدمها بطريقة خاطئة، ثم يوضح ارتباطها بالمطبخ السعودي أو السوداني، ويتحدث عن تناولها باليد باعتبار ذلك جزءًا من تجربة أكثر أصالة.
وفي وصفات أخرى، يترك ميكا المألوف جانبًا بحثًا عن نكهات أكثر جرأة، كما في تجربة “فراخ بالفستق”. هنا تصبح غرابة المزيج نفسها جزءًا من جاذبية الفيديو، بينما يتحول رد فعله أمام الطبق إلى عنصر أساسي في طريقة السرد.
أما في الفيديوهات القصيرة، فيضغط ميكا التجربة بأكملها في مساحة زمنية محدودة، دون أن يتخلى عن شخصيته أو طريقته في التفاعل. ويظهر ذلك في فيديو “طاجن مشكل إسكندراني Pro Max”، حيث يركز على قوة المزيج ونكهته الحارة، ويصف التجربة بعبارة مباشرة: “مش للضعاف”، لتصبح الجملة نفسها جزءًا من تقديم الطبق، لا مجرد حكم نهائي عليه.
وبعيدًا عن إعداد الطعام، يعتمد ميكا كذلك على فكرة المقارنة، وهي واحدة من أكثر الزوايا التي تمنح محتواه طابعًا عمليًا. ففي تجربة “بروستد المطاعم vs بروستد البيت”، لا يكتفي بتناول النسختين، بل يضعهما في مواجهة مباشرة، ويناقش الفارق في القرمشة والطعم والتكلفة، وصولًا إلى نتيجة يقدمها للمشاهد بوصفها “صدمة”.
وتتكرر الفكرة نفسها في تجربة “كشري السوبرماركت vs كشري المطعم”، حيث يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط أيهما ألذ، وإنما ما إذا كان المنتج الجاهز قادرًا على منافسة تجربة المطعم أصلًا، وما الذي يحصل عليه المستهلك مقابل السعر الذي يدفعه.
ومع وجوده في السعودية، اتسعت خريطة تجارب ميكا لتشمل المطبخ المحلي والأكلات الشعبية هناك، إلى جانب المقارنة غير المباشرة بين العادات الغذائية المصرية والسعودية. ومن بين هذه التجارب، بحثه عن “أشهر وأحر بروست في مكة”، حيث يطلب الوجبة بدرجة حرارة عالية، ثم يتوقف عند تفاصيل تبدو صغيرة لكنها مهمة بالنسبة لمراجع الطعام، مثل طريقة التغليف والمكونات المصاحبة، قبل أن يصف التجربة مع ملاحظة أن كثافة البهارات تغطي جزءًا من النكهة، لتصبح التجربة في النهاية مناسبة بشكل خاص لمحبي الأكل الحار.
وفي المقابل، لا يتعامل ميكا مع الاختلافات بين المطبخين المصري والسعودي بجدية زائدة، وإنما يحولها أحيانًا إلى مادة كوميدية. ويظهر ذلك في تجربة تقديم الرنجة المصرية إلى مجموعة من الإخوة السعوديين، حيث تصبح ردود أفعالهم جزءًا من محتوى الحلقة، قبل أن يمتد النقاش بطريقة ساخرة إلى سؤال آخر حول ما إذا كانت الرنجة هي فعلًا “فسيخًا”، في تجربة تجمع بين الطعام والمفارقة الثقافية والضحك.
وعندما ينتقل إلى الأطعمة الفاخرة أو غير المعتادة، تتغير طبيعة التجربة دون أن تتغير شخصيته. ففي وصفة تعتمد على الترافل الحقيقي، يبدأ بحماس واضح: “أخيرًا وصفة بترافل حقيقي!”، قبل أن يصبح السعر جزءًا من القصة، خصوصًا مع وصول تكلفة المكون إلى نحو 5000 جنيه. وفي تجربة أخرى أكثر فخامة، يقدم سمبوسك لحم واجيو بسعر يصل إلى 1000 دولار، في فيديو قصير يستثمر في المفارقة بين حجم الوجبة وسعرها، ويترك المشاهد أمام تجربة يصعب فصل الطعام فيها عن عنصر الدهشة.
ولا يغيب عن قائمته أيضًا اختبار وصفات اشتهرت عبر صناع محتوى آخرين، مثل بودنج الشوكولاتة المرتبط بوجدي أبو الليل، حيث يدخل ميكا إلى التجربة من زاوية المراجعة والاختبار، بدل الاكتفاء بإعادة تقديم الوصفة كما هي.

