في وقت أصبحت فيه صور الطعام على مواقع التواصل الاجتماعي قادرة على صناعة شهية قبل أن تصل الوجبة إلى الطاولة، اختار محمود زيزو طريقًا مختلفًا قليلًا؛ فلم يكتفِ بأن يضع أمام الكاميرا طبقًا يبدو شهيًا، ثم يعلن إعجابه به، وإنما جعل من تجربة الأكل نفسها مساحة للبحث والمقارنة والسؤال: هل يستحق هذا الطعام كل هذه الضجة؟ وهل السعر يتناسب فعلًا مع ما يحصل عليه الزبون؟ وهل ما يقال عن المكان على مواقع التواصل يطابق ما سيجده الشخص عندما يذهب إليه بنفسه؟
بهذه المعادلة بنى زيزو حضوره عبر حساباته المختلفة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يقدم محتوى يدور بصورة أساسية حول الطعام وتجارب المطاعم، مع تركيز واضح على الاختبار المباشر، والأسعار، والفروع، والأكلات الرائجة، إلى جانب محتوى يعتمد على المفاجأة والمواقف اليومية.
وأحد أكثر الخطوط وضوحًا في محتوى زيزو هو تحويل سؤال بسيط مثل “تاكل إيه؟” إلى سلسلة من التجارب التي تساعد المتابع على اتخاذ قرار قبل أن يدفع أمواله.
ومن هنا ظهرت لديه عناوين متكررة من نوع “تاكل إيه في…”؛ إذ لا يتعامل مع المنطقة باعتبارها مجرد خلفية للتصوير، وإنما يحاول تقديم مجموعة من الاختيارات داخلها. ففي إحدى حلقاته تناول منطقة الرحاب من زاوية كثرة المطاعم الموجودة فيها، وقدمها باعتبارها مكانًا قد يجعل المتابع في حيرة من أمره أمام كثرة الاختيارات. كما قدم حلقات مشابهة عن مصر الجديدة، ومدينة نصر، ووسط البلد، والشيخ زايد، والسويس.
الفكرة هنا بسيطة لكنها فعالة: بدل أن يقول للمشاهد “اذهب إلى هذا المكان”، يصبح الفيديو بمثابة خريطة مختصرة لمنطقة كاملة؛ ماذا يمكن أن تأكل؟ وما الخيارات الموجودة؟ وأين يمكن أن تجد الأكلة التي تبحث عنها؟
ومن أمثلة هذا الخط حلقة “تاكل إيه في سيتي سنتر ألماظة و بكاااام؟”، التي يضع فيها عنصر السعر إلى جوار تجربة الأكل، فلا يصبح السؤال متعلقًا بالطعم فقط، وإنما بما سيدفعه الشخص في النهاية.
والجانب الآخر الأكثر تميزًا في تجربة زيزو هو عدم الاكتفاء بتقديم الأكلات الشهيرة، بل الدخول أحيانًا إلى قلب “التريند” نفسه.
وفي أرشيفه تظهر عناوين مثل “حقيقة تريند الكفتة أكتر مطعم عامل قلق”، وهي صيغة تكشف طريقة تفكيره في صناعة العنوان والمحتوى معًا: هناك شيء يتحدث عنه الناس، وهناك ضجة حوله، وزيزو يذهب ليرى بنفسه ما إذا كانت الضجة في محلها أم لا.
والفكرة نفسها تظهر في حلقات أخرى مثل “حقيقة Hashville ومقارنة بين فروعه وإيه الفرق”، وهنا يتحول المحتوى من مجرد تجربة طبق إلى مقارنة بين الفروع، مع التركيز على عناصر عملية تهم المستهلك: الجودة والسعر والطعم.
وهذه النقطة مهمة في فهم أسلوب زيزو؛ لأنه لا يكتفي غالبًا بجملة “الأكل حلو” أو “الأكل وحش”، بل يبحث عن زاوية يمكن أن تجعل المشاهد يشعر أن الفيديو يقدم له معلومة قابلة للاستخدام.
وفي عدد من المقاطع، يتخلى زيزو عن صيغة المراجعة التقليدية ويقترب أكثر من أسلوب التحقيق الخفيف، ومن أبرز الأمثلة حلقة بعنوان “مطعم بيبيع نفس الحاجة بسعرين مختلفين”، وهي فكرة قائمة بالكامل على المفارقة: المنتج نفسه، لكن السعر مختلف. بمجرد وضع هذه الجملة في العنوان يصبح لدى المشاهد سبب لمتابعة الفيديو لمعرفة كيف حدث ذلك، وما تفسير الفارق.
وتظهر الفكرة نفسها في فيديو “اللي حصل لما وزنت الباستا في المطعم ده صدمني”؛ فهنا لا يكتفي زيزو بتذوق الطعام، وإنما يستخدم الوزن كأداة للحكم على التجربة، ليصبح الطبق نفسه موضوعًا للفحص وليس مجرد شيء يتم تصويره من زاوية شهية.
كما يقدم محتوى قائمًا على الأسعار بصورة مباشرة، مثل “أسعار غريبة وعجيبة”، إلى جانب حلقات تضع أسعار الوجبات والخدمات أمام المتابع، وهو خط مناسب جدًا لطبيعة جمهور يبحث عن تجربة جيدة من دون أن يفاجأ بالفاتورة في النهاية.
وواحدة من أبرز سمات شخصية زيزو أمام الكاميرا أنه لا يجعل كل التجارب تنتهي بالمدح، حيث سبق وأن قدم فيديو بعنوان “أسوأ حاجة في أشهر وأزحم مطعم في مصر”، وهي فيديوهات تعتمد على كسر التوقع؛ فالمكان قد يكون مشهورًا أو مزدحمًا، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا أن التجربة مثالية.
ومن أهم الأشياء التي تكشفها طبيعة أرشيف زيزو أن الجمهور لا يبدو مجرد متلقٍ، فالتعليقات على القناة تكشف أن المتابعين يقترحون عليه أماكن وأكلات ومدنًا جديدة باستمرار، بل يطلبون منه الذهاب إلى أماكن بعينها والتحقق من الأسعار أو جودة الطعام. وفي أحد الأمثلة الحديثة اقترح متابعون عليه تجربة أماكن محددة في بورسعيد، بينما ناقش آخرون معه ما ينبغي تجربته في السويس وبورسعيد وغيرها.
في النهاية، يمكن النظر إلى تجربة محمود زيزو باعتبارها محاولة لتحويل “الأكل خارج المنزل” من قرار عشوائي إلى تجربة يمكن للمشاهد أن يستعد لها مسبقًا، فهو يقارن بين الفروع، يبحث عن الأسعار، يختبر الأكلات الرائجة، يراجع الأماكن الشعبية، يذهب وراء الحكايات المتداولة، وأحيانًا يطرح تجربة سلبية بدل تقديم صورة مثالية عن كل مكان يزوره.

