من قلب المعامل التقليدية وكتب الكيمياء والفيزياء المدرسية، خرج مهندس بترول مصري ليثبت للعالم أن العلم ليس مجرد نظريات جافة تُحفظ في الغرف المغلقة، بل هو عرض مبهر يمكن أن يحدث في الشارع، أو فوق مسرح، أو حتى أثناء القفز بالمظلات من طائرة. إنه عبد الله عنان، المؤسس والرئيس التنفيذي لمبادرة “شارع العلوم“، والشخصية التي أصبحت اليوم جسرًا حيويًا لنشر الثقافة العلمية في الوطن العربي.
البداية من الشارع.. “اللي اتكسر يتصلح”
لم تكن مسيرة عنان مفروشة بالورود؛ فهو خريج كلية هندسة البترول والتعدين بالسويس بتفوق (99.5% في الثانوية العامة)، ونشأ في أسرة تقدر التعليم، لكن شغفه بتبسيط العلوم كان المحرك الأقوى. بدأ مشروعه بهواية بجانب عمله في إحدى شركات البترول، حيث نزل إلى الشارع ليطرح أسئلة علمية على المواطنين ويشرح الإجابات عبر تجارب حية أمام أعينهم.
أول أعماله كان بعنوان “اللي اتكسر يتصلح”، وفيه شرح نظرية انكسار الضوء بطريقة بصرية مذهلة. ومع قدوم أزمة كورونا وتقليص العمالة في قطاعه، قرر عنان تحويل “المحنة إلى منحة”، متفرغًا بالكامل لمشروعه الخاص الذي سماه “شارع العلوم”.
أرقام قياسية وتأثير عالمي
اليوم، يدير عنان فريقاً من المحترفين في مصر والعالم العربي، وينتج محتوى علميًا حقق أرقامًا فلكية تجاوزت 1.5 مليار مشاهدة، مع قاعدة متابعين تخطت 18 مليون شخص عبر مختلف المنصات، منهم أكثر من 5 ملايين على “تيك توك” وحده. هذا النجاح لم يكن رقميًا فحسب، بل تُوج بحصوله على جوائز مرموقة، منها:
أفضل منشئ محتوى تعليمي لعام 2021 على منصة TikTok.
أفضل قناة قصيرة على YouTube في عام 2021.
صانع التغيير ورجل المهام المستحيلة
لُقب عنان بـ “رجل العرب للعلم”، خاصة بعد انضمامه لبرنامج “صُنّاع التغيير على TikTok”، وهو برنامج عالمي يضم 50 صانع محتوى فقط من جميع أنحاء العالم يهدفون لإحداث تأثير اجتماعي هادف. تميز عنان بقدرته على دمج الإثارة بالعلم؛ فقفز بالمظلة ليشرح علم الطيران، واستضافته الإعلامية الكبيرة إسعاد يونس في “صاحبة السعادة” ليبسط أعقد المفاهيم في عرض أبهر الجمهور.
مهرجان الشارقة 2025.. انفجارات علمية و”تحية الصوديوم”
في أحدث ظهور استثنائي له في مهرجان الشارقة القرائي للطفل 2025، حوّل عنان القاعة الرئيسية إلى مختبر حي مليء بالانفجارات الآمنة. وسط هتافات الأطفال، قدّم تجارب غاز الهيدروجين والهيليوم، وشرح “مثلث النار”، وأذهل الحضور بتغيير لون اللهب إلى الأخضر باستخدام مواد كيميائية. ولم يغادر المسرح إلا بعد أن علّم الأطفال “تحية الصوديوم” الشهيرة، مؤكدًا على رسالته الدائمة: “العلم متعة، لكن السلامة أولًا”.
شريك وزارة التربية والتعليم
لم يتوقف طموح عنان عند منصات التواصل، بل امتد لخدمة المنظومة التعليمية الرسمية. فمن خلال قناة “مدرستنا”، قدّم برنامجي “المختبر” و “تحدي المختبر” بتكليف من وزارة التربية والتعليم المصرية، حيث قام بتلخيص مناهج العلوم من الصف الرابع الابتدائي وحتى الثالث الإعدادي وتقديمها بشكل بصرى ممتع، مما خفف العبء عن كاهل أولياء الأمور وجعل الطلاب يحبون مادتهم الدراسية.
عبد الله عنان ليس مجرد يوتيوبر، بل هو “قوة دافعة للتغيير”، يثبت يومًا بعد يوم أن المحتوى الهادف يمكن أن يتصدر “التريند”، وأن العلم في “الشارع” هو أقصر طريق لعقول الأجيال الجديدة.

