تمر اليوم الذكرى الحادية والعشرون لرحيل “فارس الأغنية الشعبية” الفنان محمد رشدي، الذي غادر عالمنا في مثل هذا اليوم من عام 2005، تاركاً خلفه إرثًا موسيقيًا لم يكن مجرد أغنيات عابرة، بل كان “دستورًا” للأغنية الشعبية الراقية التي حفرت مكانها في وجدان الشعب المصري والعربي.
بدأت أسطورة رشدي الذي ولد في عام 1928 من مدينة دسوق بمحافظة كفر الشيخ، حيث نشأ على ترتيل القرآن الكريم وحفظه في كتاب القرية، وهو ما منح حنجرته قوة واستقامة نادرة. انتقل بعدها إلى القاهرة ليلتحق بمعهد فؤاد الموسيقي، ومنه انطلقت صرخته الفنية الأولى بأغنية “قولوا لمأذون البلد” التي وضعت قدمه على أول طريق النجومية.
ولم يكن رشدي مجرد مطرب، بل كان صاحب مشروع فني بالتعاون مع الخال عبد الرحمن الأبنودي والموسيقار بليغ حمدي. هذا “الثلاثي المرعب” أعاد صياغة مفهوم الأغنية الشعبية؛ فخرجت “عدوية” للنور لتهز أركان الوسط الفني في الستينيات، وتفرض لغة جديدة للغناء دفعت العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ لمحاولة خوض غمار هذا اللون في أغنية “توبة”.
ويرى النقاد أن الأبنودي “خلق لغة جديدة” خصيصًا لرشدي، بينما طوع بليغ حمدي عبقريته اللحنية لتناسب صوت رشدي “الخشن الناعم” في روائع مثل: “طاير يا هوا”، “كعب الغزال”، “عالرملة”، و”عرباوي”.
وشكلت ملحمة “أدهم الشرقاوي” التي قدمها رشدي للإذاعة المصرية نقطة تحول كبرى، حيث حققت نجاحًا جماهيريًا مدويًا، مما فتح له أبواب السينما ليقدم 6 أفلام بارزة منها “حارة السقايين” و”ورد وشوك”. كما سجل حضورًا وطنيًا ودينيًا قويًا بأغنيات انتصارات أكتوبر ومسلسل “ابن ماجة”.
رغم النجاحات، لم يكن مشوار رشدي مفروشًا بالورود؛ إذ كشف نجله “طارق” في تصريحات سابقة أن والده تعرض لمشكلات عائلية وحوادث سير كادت تودي بحياته وعطلت مسيرته لفترات، إلا أن إصراره كان أقوى. وقبل رحيله في مايو 2005، عاد رشدي بقوة لساحة المنافسة بألبومه الأخير “دامت لمين”، ليؤكد أن الذهب لا يصدأ أبدًا.
اليوم، وبينما تصدح المقاهي والبيوت بـ “ميتي أشوفك” و”عطشان يا صبية”، يظل محمد رشدي حاضرًا بصوته الذي لا يستأذن أحدًا ليدخل القلب، حاملًا عبير الموانئ ونبض الحارات المصرية الأصيلة.

