لم يكن الشاب الأردني ذو الأصول الفلسطينية، قاسم الحتو، يعلم أن تفوقه الدراسي وحصوله على المركز الأول في تخصص علوم الحاسوب بالجامعة الألمانية الأردنية، سيكونان مجرد تمهيد لرحلة من نوع آخر؛ رحلة لا تعترف بالمكاتب المغلقة، بل بحدود العالم المفتوحة. فمنذ عام 2017، قرر الحتو التخلي عن المسار الوظيفي التقليدي، ليتحول إلى “ابن حتوتة”، الرحالة الذي يتابعه الملايين عبر منصات التواصل الاجتماعي.
بدايات عابرة للقارات
بدأت شرارة الشغف لدى قاسم بين عامي 2014 و2016، حين كان يشارك تفاصيل رحلاته البسيطة مع أصدقائه أثناء دراسته في ألمانيا والبرتغال. وبحلول عام 2017، اتخذ القرار الجريء بإعلان نفسه “مشردًا بدوام كامل”، منطلقًا في مغامرة تهدف لزيارة كل دول العالم وتوثيقها بعدسة إنسانية فريدة، متسلحًا بشعار ملهم: “نسافر لنستعيد الأمل بالإنسان”.
إمبراطورية “ابن حتوتة” الرقمية
نجح الحتو في بناء مجتمع رقمي ضخم، حيث يتجاوز عدد متابعيه على فيسبوك 4.7 مليون متابع، يشاركونه تجارب السفر الاقتصادي وأسرار “الترحال بأقل التكاليف”. ولا يقتصر محتواه على النصائح التقنية فحسب، بل يغوص في أعماق التجارب الإنسانية؛ من تذوق أكلات الشوارع إلى استعراض كرم الشعوب في العراق وأدغال الأمازون، متجاوزًا مخاوفه الشخصية من المرتفعات والرحلات البحرية الطويلة لتقديم محتوى صادق يلامس الوجدان.
وعلى منصة يوتيوب، تحولت قناته إلى مرجع وثائقي لأكثر من 3.5 مليون مشترك، محققة نصف مليار مشاهدة. هناك، يأخذ “ابن حتوتة” جمهوره إلى بقاع لا يصلها إلا القليلون؛ مثل جزيرة “تريستان دا كونها” النائية، وأعماق القارة القطبية الجنوبية “أنتاركتيكا”، وصولًا إلى جبال أفغانستان وغابات مدغشقر، مركزًا على إبراز جمال الطبيعة وتراث الشعوب بعيدًا عن الصور النمطية.
إنجازات عالمية واعتراف دولي
بحلول أواخر عام 2024، كان الحتو قد وضع بصمته في أكثر من 94 دولة (متجاوزًا حاجز الـ 100 دولة مؤخرًا)، وهو ما تكلل باختياره ضمن قائمة Forbes Middle East (30 Under 30) لعام 2025 في فئة السفر عبر إنستجرام. ولم تكن هذه الجائزة وحيدة في مسيرته، فقد وصل لنصف نهائي برنامج “سديم” لصناع المحتوى، وألقى خطابًا ملهمًا على منصة “تيدكس” في عمان، ليؤكد أن السفر ليس مجرد ترفيه، بل هو جسر ثقافي وأداة للتغيير.
رسالة تتجاوز الحدود
يمتاز أسلوب “ابن حتوتة” بالمزج بين روح المغامرة مثل القفز المظلي و”السفاري”، وبين الرواية الإنسانية الهادفة. ورغم ابتعاده عن السياسة المباشرة، إلا أنه يحرص دائمًا على إبراز الجوانب الإيجابية للشعوب العربية والإسلامية والتعريف بالقضية الفلسطينية، مشجعًا جيل الشباب على الخروج من “منطقة الراحة” لاكتشاف العالم بأنفسهم.

