في تمام الساعة 5:29 صباحًا من يوم 16 يوليو 1945، تغير تاريخ البشرية إلى الأبد فوق رمال صحراء نيومكسيكو بتفجير “ترينيتي”، أول اختبار لقنبلة نووية في العالم. واليوم، وبعد مرور أكثر من 80 عامًا، كشف العلماء أن ذلك الانفجار المروع لم يغير مسار السياسة العالمية فحسب، بل صنع مادة “مستحيلة” لا يمكن وجودها في الظروف الطبيعية على كوكب الأرض.
وأعلن فريق بحثي بقيادة عالم الجيولوجيا لوكا بيندي، من جامعة فلورنسا الإيطالية، عن اكتشاف نوع جديد من “الكلثرات” وهي بنية بلورية تتخذ شكل أقفاص ذرية، تشكلت نتيجة الحرارة والضغط الهائلين أثناء تفجير القنبلة الملقبة بـ “الجادجيت”. وتعد هذه المرة الأولى التي يتم فيها التعرف على هذا النوع من المعادن ضمن مخلفات الانفجارات النووية.
وأدى الانفجار، الذي عادل بقوته 21 كيلوطن من مادة TNT، إلى تبخير برج الاختبار والمعدات النحاسية المحيطة به في لمح البصر. وبفعل كرة اللهب العملاقة، انصهر النحاس والحديد مع رمال الصحراء والأسفلت، لتتشكل مادة زجاجية خضراء وحمراء أطلق عليها العلماء اسم “ترينيتيت”. هذه المادة تعمل اليوم كـ “لقطة مجهرية” جمدت تلك اللحظات الخاطفة من الضغط والحرارة الاستثنائيين.

وأوضح الباحثون أن تكوّن هذه البلورات تطلب ظروفًا لا تتوفر في المختبرات التقليدية؛ حيث تجاوزت درجات الحرارة 1500 درجة مئوية، ووصل الضغط إلى مستويات هائلة (من 5 إلى 8 جيجا باسكال)، تلاها تبريد سريع جدًا. هذا “التطرف الفيزيائي” سمح للذرات بالاصطفاف في تكوينات غير عادية، منها “شبه بلورة” اكتشفت سابقًا في 2021، وهذا “الكلثرات” المكتشف حديثًا الذي يتكون من أقفاص من السيليكون تحبس بداخلها ذرات الكالسيوم مع آثار من النحاس.
وأثبتت النمذجة الرياضية أن هاتين البنيتين (شبه البلورة والكلثرات) نشأتا بشكل مستقل داخل نفس العينة رغم تشابه الظروف، مما يعزز فهم العلماء لكيفية تفاعل المواد تحت الضغط النووي.
وأكد الباحثون أن مثل هذه الاكتشافات ليست مجرد فضول علمي، بل تقدم أدوات جنائية جديدة للتحقيق في مواقع التفجيرات النووية، وتؤكد أن الأحداث عالية الطاقة، مثل ضربات البرق والاصطدامات النيزكي، تعمل كمختبرات طبيعية لإنتاج مواد صلبة يعجز البشر عن تصنيعها بالطرق التقليدية.

