في حوار خاص يجمع بين البُعد الإنساني وفلسفة المال والأعمال، حلّ رجل الأعمال المصري ياسين منصور ضيفًا على الإعلامي أنس بوخش في برنامج “ABtalks Business”؛ حيث تطرق الحوار إلى محطات فارقة في حياته وشخصيته، بدءًا من بساطة نشأته وتأثير قرارات التأميم على عائلته، مرورًا برحيل والده وتأثره بوصاياه الأخلاقية حول أهمية السمعة والاسم التجاري. كما تناول شغفه التاريخي بالنادي الأهلي، والقرارات الجريئة التي اتخذها في إدارة المخاطر وإعادة استثماراته إلى مصر لحماية حقوق العملاء.
واستهل منصور حديثه بالتعريف بهويته بعيدًا عن المناصب والألقاب الرسمية، مشددًا على أن البساطة هي الصفة الأساسية التي تحكم حياته وشخصيته؛ إذ قال: “أصف نفسي بأنني شخص بسيط للغاية؛ فلم يغيرني أي منصب أو عمل شغلته، وما زلت نفس الشخص الذي كان يلعب كرة القدم في الشارع وهو طفل. أُفضّل دائمًا أن أكون بين الناس، فقد ولدت بهذه الطبيعة وكان والدي -رحمه الله- رجلًا بسيطًا يحب الناس والخير وكان كريماً بلا حدود ويقول دائمًا: من يتاجر مع الله هو الرابح الحقيقي”.
ثم انتقل منصور لاسترجاع ذكريات طفولته المبكرة في الإسكندرية وما تعرضت له عائلته من ظروف قاسية عقب قرارات التأميم التي جردت والده من ممتلكاته في تلك المرحلة؛ حيث صرح: “عشت في الإسكندرية، وُولِدْتُ تقريبًا في نفس الفترة التي أُمِّمَتْ فيها أملاك والدي، حتى إن أختي كانت تمازحني قائلة: لقد جئت وأنهيت كل شيء. أخذت الدولة كل شيء ولم تترك لنا سوى المنزل، وحُرِمنا حتى من دخول الأندية فكنت ألعبُ الكرة في الشارع. عمل والدي لاحقًا في السودان وانتقلت للعيش معه هناك لعام ونصف، وكانت مرحلة صعبة لكنها شكلت شخصيتي وعلمتني الاعتماد على النفس”.
وفي معرض حديثه عن المحطات الفاصلة في حياته، توقف عند وفاة والده وهو في سن الرابعة عشرة، والدروس الأخلاقية التي غرسها فيه بشأن قيمة الاسم والسمعة؛ موضحًا: “رحيل والدي وأنا في سن الـ14 غيّر حياتي وجعلني أدرك أنني لن أستطيع العيش بأسلوب الولد المدلل. كان والدي يكرر دائمًا: المال لا يصنع الرجُل، بل الرجل هو من يصنع المال، وكان يقول: اسمك هو أهم شيء في حياتك حتى لو خسرت كل بنس، اسمك أمانة أُسلمها لك لتسلمها لأبنائك. والسمعة في النهاية هي الإرث الحقيقي الذي يتبقى للإنسان”.
ولم يخفِ منصور إعجابه الشديد بالتجربة العصامية لوالده، مستذكرًا الرسالة التي وجدوها داخل مصحفه الخاص والتي تعكس رؤيته في تأسيس الأعمال؛ إذ أشار قائلًا: “كان والدي قدوتي، فقد خسر كل شيء مرتين في حياته بسبب التأميم وعاد للبدء من دون الصفر ليؤسس أعماله مجددًا في السودان ثم سويسرا. وبعد وفاته وجدنا رسالة كتبها في مصحفه بخط يده قال فيها: أسست هذه الشركة وبإذن الله ستكون خيرًا لأولادي وزوجتي وبلدي، وأسأل الله أن يوفقهم وأن تكون سببًا في خير كثير لناس كثيرين”.
وعند التطرق لجانب الشغف والرياضة في حياته، أفرد ياسين منصور مساحة للحديث عن علاقته بالنادي الأهلي كجانب وجداني أصيل رافقه منذ الصغر؛ مؤكدًا: “علاقتي بالنادي الأهلي هي حب خالص وشغف حقيقي. منذ أن كنت طفلًا صغيرًا، لم يكن هناك في حياتي سوى الأهلي، الأهلي، الأهلي. ورغم كل السنوات وما وصلت إليه، ما زلت أرى نفسي ذلك الطفل الذي كان يلعب كرة القدم في الشارع بنفس الحب والانتماء للنادي”.
وعلى صعيد إدارة المخاطر، كشف منصور عن أشد الأزمات التي واجهته في مسيرته وقراره الحاسم بإعادة أمواله إلى مصر عقب أحداث عام 2011 لحماية حقوق عملاء الشركة؛ حيث قال: “كان أصعب قرار اتخذته هو بيع استثماراتي بالخارج وإعادة أموالي إلى مصر عقب ثورة 2011، رغم الشائعات والقضايا التي اتُهمنا بها وزالت بالبراءة لاحقًا. كان هناك نحو 6,800 مُشترٍ في بالم هيلز ينتظرون تسلم منازلهم، ولو لم أوفِ بالالتزامات لتأثرت سمعتي وسمعة عائلتي للأبد. لذا قررت إعادة كل بنس أملكه لإدارة الشركة وتسليم كافة الوحدات دون أي تأخير”.
وعن المبدأ الاستثماري الذي انطلقت منه مجموعة “بالم هيلز”، تحدث عن المخاطرة بالتوسع في المناطق الصحراوية وتحويل الفكرة إلى واقع ملموس؛ مفصحًا: “أكبر مخاطرة اتخذتها كانت مشروع بالم هيلز في البداية، حيث لم تكن هناك أي طرق وكان المكان عبارة عن جبل مرتفع فوق سطح البحر. لكنني شعرت بروح المكان وقررت المخاطرة. الجميل في هذا المجال أنك تبدأ بقطعة أرض صحراوية فارغة، ثم تتحول مع الوقت إلى مجتمع كامل يمارس فيه الناس حياتهم ويتزوجون ويربون أبناءهم، وتترك فيه أثرًا يبقى للأبد”.
كما عقد منصور مقارنة بين الأزمات الاقتصادية المختلفة التي مرت بها الشركة ومدى تأثير كل منها على قطاع التطوير العقاري؛ قائلًا: “كانت أزمتا 2008 و2011 من أصعب الفترات؛ ففي 2008 انهار السوق العقاري العالمي وكانت الإلغاءات أكثر من المبيعات. أما أزمة كورونا فكانت على العكس تمامًا، حيث خدمت طبيعة مشروعاتنا ذات المساحات المفتوحة، وكنت أقضي وقتي في ممارسة الرياضة وركوب الدراجة داخل المجمع”.
وفيما يتعلق بالفلسفة الإدارية واختيار الكوادر، أوضح المعايير التي يعتمد عليها في التوظيف وبناء فريق العمل، مشددًا على أولوية السلوك والاحترافية؛ إذ بيّن: “التوظيف أشبه ببطيخة لا تعرف ما بداخلها إلا بعد التجربة، لكنني أبحث دائمًا عمن اعترفوا بأخطائهم وسعوا للتطور. وأهم شرط لدي هو احترام الآخرين؛ فلو كان الشخص يملك أفضل سيرة ذاتية في العالم ولكنه يتطاول على الموظفين أو يتعامل بغرور، فلن أقبل وجوده معي إطلاقًا”.
واختتم ياسين منصور الحوار بالحديث عن مستقبل الشركات العائلية وآليات نقل السلطة لضمان استمراريتها عبر الأجيال متعاقبة؛ حيث ختم تصريحاته موضحًا: “تشير الدراسات إلى أن الشركات العائلية تفشل غالبًا بعد الجيل الثالث، والحل يكمن في الفصل بين الملكية والإدارة؛ فليس شرطًا أن يقود الشركة أبنائي بل من يستحق تنفيذيًا. كما حرصت على أن يعمل أبنائي في مؤسسات أخرى أولًا أو يبدأوا العمل من القاع في المواقع الإنشائية ليتعلموا المشقة، وسأظل أحارب لتستمر الشركة وتصل للجيل الخامس والسادس والسابع”.

