وسط موجة “الريفيوهات” المدفوعة التي تصنع من الأكل السيئ أساطير، قرر شخص واحد أن يقلب الطاولة. هو ليس مجرد زبون يتذوق، بل “يفصص” الطبق قدام الكاميرا بلا رحمة ولا مجاملة، رافعًا شعارًا واحدًا: “هدفي إنكوا متدبسوش في أي أكل أو مطاعم في مصر”.
من هذا المنطلق ظهر كيكو الأسيوطي أو “الوحش الأكيل”؛ الشاب الذي حول تقييم الأكل لرسالة تحمي جيوبنا، ليحصد أكثر من 329 ألف مشترك على يوتيوب، ويفرض سيطرته كمرجع أول على فيسبوك وتيك توك وإنستجرام وثريدز وإكس.
ولا تعد رحلة كيكو مع منصات التواصل الاجتماعي وليدة اللحظة، بل تعود جذور قناته على يوتيوب إلى عام 2011. وكانت شرارة الانطلاق شخصية بحتة؛ فقد كان شابًا يعاني من السمنة المفرطة، ليقرر خوض معركة مع وزنه عبر الرياضة ونظام غذائي صارم، تاركًا لنفسه متنفسًا وحيدًا يتمثل في “وجبة مفتوحة” أسبوعية يأكل فيها ما يشتهيه.
من هذه الوجبة وُلدت الفكرة، حيث بدأ بمشاركة تجاربه على حسابه الشخصي بفيسبوك، ثم توسع إلى يوتيوب، لتتحول الهواية إلى صناعة محتوى احترافي يعتمد عليه جزئيًا، بينما يعتمد في تمويله الأساسي على عمله الخاص. ورغم شهرته التي قادته ليحل ضيفًا على برامج تلفزيونية مثل “Million Pound Menu Egypt”، حافظ كيكو على بساطته وصراحته التي تتجلى في سلسلة فيديوهات الأسئلة والأجوبة الممتدة من 2020 حتى 2026.
في هذه الحلقات، يرد بأسلوب ساخر على استفسارات الجمهور حول اسمه، ومواليده، وحالته الاجتماعية، وديانته، ومسيرته التعليمية، وسر ارتدائه الدائم للـ”باندانا”، وسبب ابتعاده عن التصوير مع يوتيوبرز آخرين، فضلًا عن ردوده الحازمة على أي اتهامات تطال حساباته، مؤكدًا دومًا أن المحتوى رسالة قبل أن يكون مصدر ربح.
ويرتكز محتوى “الوحش الأكيل” بشكل حصري على تقييم المطاعم والأكل في مصر، متسلحًا بمنهجية تشريحية فريدة. فهو يطلب كميات ضخمة من الأطباق، ويضع المشاهد في قلب التجربة عبر تصوير الطبق من الأعلى والجانب، وتوثيق اللحظة الحاسمة للـ”قضمة الأولى”، مع رصد دقيق لتعبيرات وجهه، وصولًا إلى تصوير ما يتبقى من الطبق.
ويُقيّم كيكو كل شيء: الطعم، القوام، السعر، الكمية، مستوى النظافة، والخدمة، مبتعدًا تمامًا عن فخ “التطبيل” والمجاملات، فلا يتردد في إعلان سوء الوجبة إن استدعى الأمر. ويقدم وجبته الدسمة للمشاهدين عبر مقاطع فيديو طويلة تتراوح بين 15 و25 دقيقة على يوتيوب، ويلخصها في كبسولات سريعة (ريلز وشورتس) على باقي المنصات.
ولعل أكثر ما يميز كيكو هو ابتكاره لسلاسل برامجية منتظمة وضعت معايير جديدة لتقييم الطعام. تتصدرها سلسلة “مين فيهم البابا؟”، حيث يضع طبقين شهيرين من نفس النوع، كالكبدة أو الحواوشي أو الكشري، في حلبة مصارعة لتقييم الطعم، والتوابل، وكمية اللحم، والقوام، والسعر، ليُتوج في النهاية بطلًا واحدًا.
ولم يهمل “الوحش” قيمة التسامح التجاري، فأطلق سلسلة “فرصة تانية” ليعود إلى مطاعم سبق وأن انتقدها بقسوة، طالبًا أطباقًا قديمة وجديدة ليحكم على مدى تحسنها، إيمانًا منه بأن كل الناس تستحق فرصة ثانية شارحًا أسباب التقييم القديم وما طرأ عليه من تغيير.
وفي تجربة كاشفة للسوق، قدم مقارنات للكشري من الأرخص إلى الأغلى، مفككًا مكونات العلب من كميات وصلصة وعدس وبصل مقلي، ليثبت بالدليل القاطع أن السعر المرتفع ليس دائمًا ضمانًا للجودة.
ويمتد شغف الأسيوطي بالتفاصيل إلى سلاسل أخرى دقيقة، كمقارنات “الرز المعمر بالقشطة” في أماكن متعددة، حيث يحلل كمية القشطة، وما إذا كان الأرز “مفلفلًا” أم متكتلًا، وحجم قطع اللحم أو الكبد بداخله. ولا يتردد في تنفيذ “طلعات كاملة” يطلب فيها قائمة الطعام بالكامل لمطعم ما، من مشويات وسلطات وأرز بالكبد والكلاوي والمعمر، ليحاكم التجربة برمتها.
ولضمان المصداقية القصوى، يشن كيكو ما يسميه “الكمين المفاجئ”، حيث يقتحم المطاعم دون تنسيق مسبق، خاصة في أوقات الذروة أو استجابة لشكاوى المتابعين. كما يبقي إصبعه على نبض السوق من خلال تتبع “أجدد أكل وحلويات في مصر”، ليجرب الحواوشي المبتكر، والفطائر المحشية بطرق غير تقليدية، وحلويات رمضان الجديدة، والسجق المجمد، ومكرونة السي فود بالصوص الأحمر، ليحكم بنجاح الابتكار أو فشله.
ولا تخلو مائدة كيكو من التوابل الكوميدية والتبادل الثقافي؛ فقد حققت حلقاته مع ضيفه البريطاني الذي جرب الأكل المصري الأصيل كالكشري والفول والطعمية والمشويات نجاحًا مدويًا، حيث وثق ردود أفعاله الصادقة بتعليقات ساخرة، وبادله التجربة بتذوق أكلات وسناكس بريطانية.

