يشهد العالم اليوم تحولًا متسارعًا في العمل الإبداعي بفعل الذكاء الاصطناعي، وفي الوقت الذي تُباع فيه لوحة الروبوت “آي-دا” (Ai-Da) لألان تورينج في مزاد “سوذبيز” بأكثر من مليون دولار، يخوض الفنانون والكُتّاب في مراسمهم وغرف كتابتهم معركة حقيقية لتحديد مصير الإبداع البشري.
بين الرفض والمقاومة: الفن ليس مجرد “أوامر”
في مدينة هال البريطانية، لم يكن الغضب مجرد رد فعل عابر، بل تحول إلى حراك قادته الفنانة والمنسقة لوسي بروك. بدأ الأمر عندما أعلن معرض محلي عن ورشة عمل مدفوعة لإنتاج صور باستخدام “ChatGPT”، مما أثار استياءً واسعًا في الأوساط الفنية.
تقول لوسي: “الفنان ليس مجرد فرد منعزل يرسم ليلًا، بل نحن مجتمع يتشارك الخبرات والممارسة، وهذا ما يميزنا عن عملية الذكاء الاصطناعي التي تقتصر على تحويل (أمر نصي) إلى صورة”. وتضيف لوسي أن القلق الأكبر يكمن في “السطو الأدبي والاستغلال”، داعيةً إلى بناء تكتلات فنية للضغط على المعارض لوضع سياسات تنظم استخدام هذه التكنولوجيا.
وجهة نظر متفائلة: هل الذكاء الاصطناعي هو “كاميرا” العصر؟
على الجانب الآخر، تتبنى الرسامة إليانور توملينسون، المشهورة بلوحتها للملكة إليزابيث الثانية مع “بادينجتون بير”، رؤية أكثر هدوءًا. رغم أنها رأت أعمالها تُنسخ وتُعدل عبر الإنترنت بتوقيعها الشخصي، إلا أنها توقفت عن الشعور بالغضب.
تُشبه إليانور ظهور الذكاء الاصطناعي بظهور الكاميرا الفوتوغرافية قديمًا، وتقول: “حين ظهرت الكاميرا، ارتعش فنانو البورتريه خوفًا، لكنهم لم ينقرضوا”. وتؤمن إليانور أن القيمة الحقيقية تكمن في “الاتصال الشخصي” بين الفنان وعميله، وهو أمر لا تستطيع الآلة محاكاته مهما بلغت دقتها.
مأزق الكُتّاب: حين تُسرق التجارب الشخصية لتدريب الآلة
أما الكاتب آلان راو، فيبدو أكثر انقسامًا وقلقًا؛ فهو يرفض استخدام كتبه المنشورة دون إذن لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، معتبرًا ذلك “انتهاكًا شخصيًا”. ومع ذلك، يتساءل بمرارة: “إذا كان الذكاء الاصطناعي سينشر أفكاري حول الاستدامة والمناخ للناس، فربما يكون ذلك أمرًا جيدًا؟”.
لكن آلان لا يخفي صراحته الصادمة: “أعتقد أنه سيتم استبدالي”، مشيرًا إلى أن الآلة أصبحت بارعة جدًأ في الكتابة التجارية. وبصفته مدرسًا للكتابة الإبداعية، يرى بوضوح كيف يتسلل الذكاء الاصطناعي إلى أعمال طلابه عبر “النسخ واللصق”، محذرًا من أن الأجيال القادمة قد تفقد مهارة بناء السرد والاستمتاع بالتعبير عن الذات.
الخلاصة: الرهان على “اللمسة البشرية”
بين الخوف من المستقبل والإيمان بالتطور التقني، يتفق المبدعون على حقيقة واحدة: الإبداع ينبع من التجارب المعيشة والمهارة البشرية. وفي مشهد تهيمن عليه الخوارزميات، قد يظل “الاتصال الإنساني” هو العملة الوحيدة التي لا يمكن تزييفها أو استبدالها.

