في صباح يوم هادئ من شهر يناير، كانت صانعة المحتوى “جراسي نيلسون” تتصفح تطبيق تيك توك كعادتها، قبل أن يتجمد الدم في عروقها؛ رأت مقطعًا لإمرأة ترتدي نفس ملابسها تمامًا، وتقف في زاوية من منزلها بكاليفورنيا، وتتخذ ذات وضعيات جسدها.. لكن الوجه لم يكن وجهها. لقد تم استنساخ حياتها “لقطة بلقطة”، ونسبها إلى كيان رقمي يُدعى “سيينا روز”.
المؤثرون الافتراضيون: “الكمال” الذي لا ينام ولا يأكل
“سيينا روز” ليست مجرد حالة فردية، بل هي جزء من جيش من “المؤثرين الاصطناعيين” الذين بدأوا بغزو منصات التواصل بحسب “بيزنيس انسايدر”. هذه الكيانات، مثل “أيتانا لوبيز” ذات الشعر الوردي، لا تعاني من حب الشباب الهرموني، ولا تشعر بالإرهاق من السفر، ولا تطلب رواتب باهظة.
تشير التوقعات إلى أن سوق المؤثرين الافتراضيين سيصل إلى 48.88 مليار دولار بحلول عام 2030. والسبب؟ الشركات تبحث عن تقليل التكاليف؛ فبدلًا من الدفع لمؤثر بشري “متقلب”، يمكن لبرمجية أن تؤدي المهمة بدقة متناهية.
آلة لكسر العمالة البشرية
تقول “آلي روكر”، صانعة محتوى تتابعها مئات الآلاف: “عندما أرى مؤثرين يروجون لأدوات الفيديو التوليدية، أشعر أنهم لا يدركون أنهم يروجون لبديلهم المستقبلي. إن ما يحدث هو تدمير لفرص العمل البشرية بدم بارد”.
لماذا تختار العلامات التجارية الذكاء الاصطناعي؟
السيطرة المطلقة: لا توجد أخطاء في التنفيذ أو اعتذارات مفاجئة.
التوفر الدائم: محتوى متدفق على مدار الساعة.
العائد المادي: تولد شخصية مثل “أيتانا” أرباحًا تتراوح بين 75 إلى 100 ألف دولار شهريًا من صفقات العلامات التجارية.
خديعة “الواقعية”.. هل المتابعون أغبياء؟
تكمن الخطورة في أن الحدود باتت ضبابية؛ فالمتابع العادي قد لا يدرك أن “سيينا روز” التي يستمع لموسيقاها على “سبوتيفاي” ليست بشرًا. وفي غياب قوانين صارمة تفرض الإفصاح عن الهوية الاصطناعية، تظل “الخديعة” هي المحرك الأساسي لنمو هذه الحسابات.
المقاومة البشرية: العودة إلى “العفوية” و”العيوب”
رغم هذا الغزو، يراهن الخبراء على “نقطة الضعف” الوحيدة للذكاء الاصطناعي: عدم القدرة على الشعور.
تقول “إيميلي هيجينز”، مستشارة وسائل التواصل الاجتماعي: “سنشهد موجة من المحتوى المتعمد بـ (عيوبه)؛ لقطات غير واضحة، أخطاء في الكلام، ومشاعر خام. إذا كان الشيء يبدو مثاليًا جدًا، سيفترض الجمهور فورًا أنه ذكاء اصطناعي”.
صرخة العلامات التجارية: “بشر حقيقيون فقط”
بدأت بعض الشركات الكبرى مثل “دوف” و”آيري” في اتخاذ موقف مضاد، رافعةً شعارات مثل “Keep Beauty Real”، متعهدة بعدم استخدام الذكاء الاصطناعي في حملاتها التسويقية. الرهان هنا هو أن المستهلك سيثق دائمًا في شخص “ذاق المنتج فعليًا” أو “سافر حقيقةً”، أكثر من خوارزمية لم تغادر الخادم (Server) أبدًا.

