هدير محمد
رغم أن ممارسة التمارين الرياضية تُعد من أهم العادات الصحية التي يوصي بها الأطباء وخبراء اللياقة البدنية للحفاظ على صحة الجسم والوقاية من الأمراض، إلا أن الإفراط فيها قد لا يكون دائمًا في صالح الإنسان.
فقد كشفت دراسات حديثة أن ممارسة الرياضة لفترات طويلة وبشكل مبالغ فيه قد تؤدي إلى نتائج عكسية على الجسم، إذ يصبح الأمر مرتبطًا ليس فقط بمدة التمرين، ولكن أيضًا بكيفية ممارسته وشدته ومدى التوازن فيه.
وتشير هذه الدراسات إلى أن السر الحقيقي لا يكمن في زيادة الوقت أو المجهود بشكل مستمر، بل في تحقيق التوازن بين التمرين والراحة، وهو ما يعيد النظر في المفهوم الشائع بأن “الأكثر هو الأفضل” عندما يتعلق الأمر بالرياضة.
وبحسب موقع Psychology Today، اعتمدت دراستان على بيانات جُمعت من حوالي 100 ألف مشارك ضمن بنك البيانات الحيوية في بريطانيا، إذ تمت متابعة المشاركين على مدار سنوات طويلة، وتم رصد مستويات نشاطهم البدني باستخدام أجهزة تتبع اللياقة البدنية القابلة للارتداء، وهو ما أتاح للباحثين الحصول على بيانات دقيقة وموضوعية بدلًا من الاعتماد على تقارير ذاتية قد يبالغ فيها المشاركون أو ينسون تفاصيلها.

وأوضحت نتائج الدراستين أن شدة التمرين قد تكون عاملًا حاسمًا لا يقل أهمية عن مدته، رغم أن الأبحاث تناولت نفس المجموعة السكانية، إلا أن اختلاف طرق التحليل أدى إلى نتائج أعمق حول كيفية تأثير النشاط البدني على الصحة العامة والوقاية من الأمراض وإطالة العمر.
وفي الدراسة الأولى، التي قادها باحثون من جامعة سنترال ساوث الصينية، تم التركيز على العلاقة بين حجم النشاط البدني وكثافته، وتبين أنه عند تساوي إجمالي النشاط، فإن الأفراد الذين يمارسون أنشطة بدنية أكثر شدة كانوا أقل عرضة للإصابة بعدد من الأمراض المزمنة الرئيسية، مقارنة بمن يعتمدون على نشاط أقل كثافة.
وكشف أحد الباحثين أن النشاط البدني عالي الشدة قد يحفّز استجابات فسيولوجية في الجسم لا يمكن للنشاط منخفض الشدة تحقيقها بنفس الكفاءة، مشيرة إلى أن التمارين المكثفة تضع الجهاز القلبي الوعائي والعضلات تحت قدر أكبر من التحدي، ما ينعكس إيجابًا على اللياقة القلبية التنفسية والقدرة الأيضية.
وأظهرت النتائج أن فترات قصيرة من التمارين عالية الشدة قد ترتبط بانخفاض خطر الإصابة بعدة أمراض مزمنة، من بينها أمراض القلب والأوعية الدموية والسكتات الدماغية، واضطرابات نظم القلب مثل الرجفان الأذيني، إضافة إلى أمراض الجهاز التنفسي المزمنة، وداء السكري من النوع الثاني، ومرض الكبد الدهني، وبعض الأمراض الالتهابية مثل التهاب المفاصل، إلى جانب أمراض الكلى المزمنة، وحتى تراجع القدرات الإدراكية والخرف.
أما الدراسة الثانية، فقد اعتمدت أيضًا على بيانات بنك بريطانيا الحيوي، لكنها تناولت الموضوع من زاوية مختلفة تركز على معدلات الوفاة بشكل عام بدلًا من أمراض محددة.

وتوصل فريق الباحثين من جامعة هونغ كونغ بوليتكنك إلى أن ممارسة نحو 150 دقيقة أسبوعيًا من النشاط البدني المعتدل إلى الشديد ترتبط بانخفاض ملحوظ في خطر الوفاة لأي سبب.
وكشفت النتائج أن هذه الفائدة كانت واضحة حتى عند توزيع النشاط على فترات قصيرة ومتقطعة خلال اليوم، ما يشير إلى أن رفع مستوى الجهد من النشاط الخفيف إلى المعتدل أو الشديد يمكن أن يحدث فارقًا صحيًا مهمًا حتى لو لم تكن مدة التمرين طويلة.
وفي السياق ذاته، أوضحت الدراسات أن مفهوم النشاط المعتدل إلى الشديد يشمل مجموعة واسعة من الأنشطة مثل المشي السريع أو صعود المرتفعات، وأن بذل جهد يصل إلى مرحلة الشعور بضيق طفيف في التنفس قد يوفر حماية إضافية من الأمراض المزمنة، مقارنة بالنشاط منخفض الشدة فقط.
وتشير النتائج في مجملها إلى أن “الجرعة المثلى” من التمارين ليست رقمًا ثابتًا، بل مزيج من الكمية والشدة والمدة، مع استمرار الجدل العلمي حول أي هذه العناصر أكثر تأثيرًا في تعزيز الصحة.
لكن في النهاية، تؤكد الدراستان أن رفع شدة التمرين قد يتيح تحقيق فوائد كبيرة في وقت أقصر، دون الحاجة إلى ساعات طويلة من التدريب، وفي الوقت نفسه فإن حتى الأنشطة الخفيفة والمتكررة على مدار الأسبوع تظل ذات تأثير إيجابي مهم على الصحة وطول العمر، مما يجعل التوازن بين الشدة والاستمرارية هو العنصر الأهم.

