تحل اليوم الأربعاء، الثالث من يونيو، الذكرى السنوية الأولى لرحيل قامة من قامات الفن العربي الأصيل، الفنانة الكبيرة سميحة أيوب، التي غادرت دنيانا في مثل هذا اليوم من العام الماضي عن عمر ناهز 93 عامًا، مسدلة الستار على مسيرة إبداعية استثنائية تجاوزت السبعة عقود، كانت فيها حارسة أمنة لخشبة المسرح، وأيقونة بارزة شكلت بملامحها وصوتها الرخيم ملامح الحركة الفنية الحديثة في مصر والوطن العربي.
تلميذة طليمات التي اعتلت العرش
شهد حي شبرا العريق بالقاهرة ميلاد “سيدة المسرح” في 8 مارس 1932؛ حيث نمت بداخلها موهبة فطرية قادتها للالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية عام 1949. وهناك، صقل رائد المسرح المصري زكي طليمات موهبتها الفذة، لتنطلق في رحلة إبداع حافلة صعدت خلالها خشبة المسرح في أكثر من 170 عرضًا، مخلدة اسمها كواحدة من أكثر الفنانات غزارة في الإنتاج وعمقًا في الأداء.
وقدمت الراحلة محطات مسرحية استقرت في وجدان الثقافة العربية؛ من بينها: “سكة السلامة”، و”رابعة العدوية”، و”دماء على أستار الكعبة”، و”السلطان الحائر”، و”الوزير العاشق”، و”فيدرا”، وهي أعمال لم تكن مجرد عروض عابرة، بل كانت وثائق فنية صاغت أمجاد المسرح القومي.
رائدة الإدارة
لم يتوقف طموح سميحة أيوب عند حدود الأداء التمثيلي، بل امتد تأثيرها إلى العمل الإداري والمؤسسي؛ حيث سطرت فصلًا جديدًا من الريادة بتوليها إدارة “المصنع الثقافي”؛ فترأست المسرح الحديث بين عامي 1972 و1975، قبل أن تصبح رئيسة للمسرح القومي المصري. وخلال تلك الحقبة، قادت المؤسسة العريقة في أوج نشاطها، متبنية جيلًا من المواهب الشابة، ومدافعة شرسة عن “القوة الناعمة” المصرية.
حضور سينمائي وتلفزيوني مميز
رغم أن المسرح ظل المحرك الأول لشغفها، إلا أن الشاشتين الفضية والتلفزيونية كانتا شاهدتين على عبقريتها؛ فحفرت بصمتها في كلاسيكيات السينما الذهبية بأفلام مثل: “بين الأطلال”، و”أرض النفاق”، و”فجر الإسلام”، و”لا تطفئ الشمس”، و”شاطئ الغرام”، قبل أن تودع السينما بإطلالة مبهجة في “تيتا رهيبة”.
وفي الدراما التلفزيونية، فرضت هيبتها الأدائية عبر شخصيات مركبة وصعبة، لا تزال تعيش بين الجماهير حتى اليوم، أبرزها دور “الحاجة ونيسة” في “الضوء الشارد”، بجانب روائع أخرى مثل “أوان الورد”، و”أميرة في عابدين”، و”المصراوية”.
تكريم الملوك والرؤساء
حصدت سميحة أيوب خلال رحلتها الطويلة تقديرًا رفيعًا تجاوز الحدود المحلية؛ إذ قلدها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وسام الجمهورية في عام 1966. ولم يقف الاحتفاء بها عند حدود الشرق؛ بل قلّدها الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان وسامًا برتبة “فارس”، اعترافًا بنبوغها ودورها في مد جسور التواصل الثقافي ونقل المسرح العربي إلى المحافل الدولية، لاسيما بعد عروضها التاريخية بالعاصمة الفرنسية باريس.
رحلت سميحة أيوب بجسدها، لكنها تركت وراءها مدرسة فنية متكاملة المعالم، تتلمذت وتتلمذ عليها أجيال من المبدعين. وبعد مرور عام على غيابها، يثبت الواقع أن “سيدة المسرح العربي” لم تكن مجرد ممثلة نالت حظًا من الشهرة، بل كانت ظاهرة ثقافية فريدة التزمت بالرسالة والوعي، ليبقى اسمها منقوشًا بحروف من نور في ذاكرة الفن الإنساني، عصيًا على النسيان أو السقوط من ذاكرة الزمن.

