يظل الفنان الكبير محمود عبد العزيز، الذي لُقِّب بـ “الساحر” و”مزاجنجي” السينما المصرية، أحد أبرز علامات الفن العربي عبر مسيرة امتدت نحو 40 عامًا. وعُرف الراحل بحضوره الطاغي وخفة ظله الفطرية وعشقه الجارف للفن، ورغم هدوئه الظاهري، فقد كان يعترف دائمًا بعصبيته وأن عاطفته هي المحرك الأساسي لقراراته، حتى رحل عن عالمنا في عام 2016 تاركًا إرثًا سينمائيًا وتلفزيونيًا خالدًا.
ولد الفتى السكندري في مثل هذا اليوم من عام 1946 في حي الورديان غرب الإسكندرية، والتحق بكلية الزراعة بجامعة الإسكندرية ليتخصص في قسم الحشرات، حيث تفوق دراسيًا ونال درجة الماجستير في بحث حول “سم عسل النحل”. ورغم أن دراسة الزراعة لم تكن ضمن طموحاته التي انحصرت بين الطب والتمثيل، إلا أن المسرح الجامعي فجّر موهبته الكامنة، وهناك التقى بالمخرج الراحل نور الدمرداش الذي أعجب بموهبته واختاره وهو لا يزال طالبًا للمشاركة في مسلسل “كلاب الحراسة” مقابل أجر زهيد بلغ أربعة جنيهات، لتبدأ من هنا أولى خطواته المهنية.
ويروي “الساحر” عن تلك الفترة أن الدمرداش قيده في كشوفات التلفزيون كـ “كومبارس”، وهو ما أثار غضبه حينها، لكن المخرج الكبير وجه له نصيحة تاريخية قائلًا: “هناك 5700 ممثل في التلفزيون، ولا أريد أن يصبحوا 5701 فحسب؛ أنا أريد تقديمك بشكل صحيح لأنك تمتلك إمكانيات تؤهلك لتكون ممثلًا كبيرًا”، ليتذوق محمود عبد العزيز طعم الصبر حتى جاءت انطلاقته الحقيقية في مسلسل “الدوامة” رفقة محمود ياسين ونيللي.
ولم تكن رحلة قهر الظروف سهلة؛ إذ واجه النجم الراحل حيرة كبيرة بعد التخرج ورغبة عارمة في السفر إلى القاهرة لرؤية استوديوهات السينما، وهو ما قوبل برفض عائلته، ليعمل مؤقتًا كمساعد باحث في معهد بحوث وقاية النباتات. ولم يدم استقراره بالوظيفة طويلًا، فقرر السفر مع أحد أصدقائه على متن سفينة متجهة إلى اليونان، وعاش هناك ما وصفها بـ “أسوأ فترات حياته” حيث كافح كبائع للصحف وصحفي متجول، قبل أن يقرر إنهاء غربته والعودة إلى وطنه.
وشهد عام 1977 محطة سينمائية فارقة عندما رُشح لفيلم “طائر الليل الحزين”، وهو الدور الذي نجح فيه إذاعيًا بشكل مبهر، ورغم أن السيناريست وحيد حامد كان يفضل النجم عادل إمام للبطولة، إلا أن اختيار المنتج استقر على محمود عبد العزيز، لتفتح له السينما أبوابها ويشارك بعدها في دور صغير بفيلم “الحفيد” مع نور الشريف. وفي وقت سابق وتحديدًا عام 1975، كان المصور وحيد فريد قد قدمه للمنتج رمسيس نجيب ليخوض أولى بطولاته المطلقة عبر فيلم “حتى آخر العمر”.
وتوالت بعد ذلك إبداعات النجم الراحل، حيث تميز بتقديم أفلام الكوميديا والفانتازيا التي ناقشت قضايا مجتمعية بجرأة وطرافة؛ مثل “السادة الرجال” الذي شق به طريقًا مغايرًا، و”سمك لبن تمر هندي” بشخصية أحمد سبانخ، و”سيداتي آنساتي”، و”أبو كرتونة”. وجاء عام 1991 ليقدم أحد أعظم أدواره في تاريخ السينما العربية من خلال شخصية الشيخ حسني، الرجل الضرير خفيف الظل في فيلم “الكيت كات”.
وعن أصعب لحظاته أمام الكاميرا، أكد الفنان الراحل أن مشهد اقتياده للمشنقة في فيلم “إعدام ميت” كان الأقسى في مسيرته، إذ زار السجن قبل التصوير والتقى بالمحكوم عليهم بالإعدام لمعايشة الحالة، ليدخل في نوبة بكاء مرير عقب نهاية التصوير، تضاعفت قسوتها بتلقيه نبأ وفاة والده في نفس اليوم. وكان محمود عبد العزيز يؤمن دائمًا بأن النجومية هبة ورزق من الله لمن يحسن استغلالها باحترام جمهوره، مشبهًا إياها بصيد الأسماك.
أثرى “الساحر” خزائن السينما المصرية بنحو 85 فيلمًا من روائع الأعمال؛ أبرزها “الكيف”، و”العار”، و”سوق المتعة”، و”البريء”، و”الصعاليك”، و”العذراء والشعر الأبيض” مع نبيلة عبيد، و”شفيقة ومتولي” مع سعاد حسني، وصولًا إلى شخصية المعلم زرزور الشهيرة في فيلم “إبراهيم الأبيض”. كما حقق توهجًا دراميًا استثنائيًا في التلفزيون، كانت قمته عام 1988 بملحمته الاستخباراتية “رأفت الهجان”، تلتها مسلسلات ناجحة مثل “البشاير”، و”محمود المصري”، و”باب الخلق”، و”جبل الحلال”.
وتقديرًا لتميزه الفني، حصد العديد من الجوائز المحلية والدولية كأفضل ممثل؛ منها جائزتا مهرجان دمشق السينمائي عن فيلمي “القبطان” و”الساحر”، وجائزة مهرجان القاهرة السينمائي عن فيلم “سوق المتعة”، بالإضافة إلى تكريمه عن فيلمي “الكيت كات” و”الليالي المقمرة”. وامتد التكريم لاسمه حتى بعد رحيله، حيث كرمه الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال أحد مؤتمرات الشباب بالإسكندرية تقديرًا لمشواره الفني الحافل، وتسلم درع التكريم نجله الفنان محمد محمود عبد العزيز.

