هدير محمد
قد يرحل الفنانون، لكن القليل منهم فقط ينجح في هزيمة الزمن، وكان مايكل جاكسون واحدًا منهم. فبعد 17 عامًا على رحيله، لا يزال “ملك البوب” حاضرًا بقوة في وجدان الملايين، وتواصل أغانيه حصد ملايين الاستماعات، بينما يتجدد الاهتمام بإرثه الفني مع كل جيل جديد، وكأن الزمن لم ينجح في إبعاد اسمه عن صدارة المشهد الموسيقي.
وجاء طرح فيلم “Michael” ليمنح سيرة مايكل جاكسون حياة جديدة، ويعرّف الأجيال التي لم تعاصره بالفنان الذي غيّر شكل الموسيقى والاستعراض حول العالم. ومع النجاح الذي حققه الفيلم، عادت أغانيه إلى قوائم الأكثر استماعًا، ليؤكد مجددًا أن تأثيره لم يتوقف برحيله، بل تحول إلى إرث فني يتوارثه الجمهور جيلًا بعد جيل.

وُلد مايكل جوزيف جاكسون في 29 أغسطس 1958 بمدينة غاري بولاية إنديانا، وكان الابن الثامن بين عشرة أشقاء في عائلة أفريقية أمريكية. ومنذ سنواته الأولى، لفت الأنظار بموهبته الغنائية، ليقرر والده جوزيف جاكسون الاستثمار في هذه الموهبة، ويؤسس فرقة “Jackson 5″، التي تولى مايكل فيها دور المغني الرئيسي وهو في الخامسة من عمره، لتنطلق منها رحلته نحو العالمية.
وبدأ مايكل مشواره الفردي مطلع السبعينيات، بعدما حققت أغنيتاه “Got to Be There” و”Ben” نجاحًا لافتًا، لتؤكدا موهبته بعيدًا عن فرقة “Jackson 5”. ورغم تراجع شعبية الفرقة لاحقًا، استعادت جزءًا من بريقها بأغنية “Dancing Machine” عام 1974، التي لفتت الأنظار بفضل أسلوب مايكل الراقص، ومهدت الطريق لانطلاقته الأسطورية كأحد أعظم نجوم الموسيقى في التاريخ.
ومع نهاية السبعينيات، قرر مايكل جاكسون شق طريقه بعيدًا عن نجاحات فرقة “Jackson 5″، ليبدأ مرحلة جديدة صنعت اسمه كأيقونة عالمية.
وجاءت نقطة التحول الحقيقية مع ألبوم “Off the Wall” عام 1979، في أول تعاون له مع المنتج كوينسي جونز.

حقق الألبوم نجاحًا استثنائيًا، وأصبح أول ألبوم في التاريخ يضم أربع أغانٍ ضمن المراكز العشرة الأولى في قوائم “Billboard”، من بينها “Don’t Stop ‘Til You Get Enough” و”Rock With You”. كما حصد مايكل بفضله أولى جوائزه الكبرى، لتكون تلك البداية الفعلية لمسيرته المنفردة التي مهدت الطريق لهيمنته على عالم الموسيقى في السنوات التالية.
أما لحظة التحول الكبرى في مسيرته، فجاءت مع إصدار ألبوم “Thriller” عام 1982، الذي تجاوزت مبيعاته 66 مليون نسخة حول العالم، ليصبح الألبوم الأكثر مبيعًا في التاريخ حتى الآن، كما حصد ثماني جوائز “Grammy” في عام واحد، في إنجاز غير مسبوق في عالم الموسيقى.

وضم ألبوم “Thriller” عددًا من الأغاني التي حققت نجاحًا عالميًا وما زالت تحصد ملايين الاستماعات حتى اليوم، من أبرزها “Beat It” و”Billie Jean”، التي كتبها مايكل بنفسه. وكشف كوينسي جونز أنه كان متحفظًا في البداية على اسم الأغنية، خوفًا من أن يختلط على الجمهور بينها وبين لاعبة الجولف بيلي جين كينج، إلا أن مايكل تمسك بالاسم. وتتناول الأغنية قصة فتاة تُدعى “Billie Jean” ادعت أن جاكسون والد طفلها، قبل أن يتبين لاحقًا أنها معجبة تعاني اضطرابات نفسية، وهو ما عبر عنه في كلمات الأغنية الشهيرة: “The kid is not my son”.

وخلال مسيرته الفنية التي امتدت لنحو 46 عامًا، حصد مايكل جاكسون عددًا هائلًا من الجوائز والتكريمات، من بينها 13 جائزة “Grammy”، بما في ذلك جائزتا “Grammy Legend” و”Lifetime Achievement”، كما فاز بـ22 جائزة “American Music Awards”، من بينها “فنان الثمانينيات” و”فنان القرن”.
وكان “ملك البوب” أيضًا أول فنان يدخل موسوعة “جينيس” للأرقام القياسية 21 مرة، ليصبح ليس مجرد نجم موسيقي، بل أيقونة ثقافية عالمية تركت بصمة لا تزال حاضرة حتى اليوم.

ورغم النجاح الاستثنائي الذي حققه مايكل جاكسون، فإن حياته بعيدًا عن الأضواء لم تكن بالسهولة التي بدت عليها. فقد نشأ في بيئة اتسمت بالصرامة الشديدة، إذ فرض والده نظامًا قاسيًا في تربيته وإدارة مسيرته الفنية منذ الطفولة، وهو ما ترك آثارًا نفسية رافقته لسنوات طويلة.
وتحدث جاكسون في أكثر من مناسبة عن تعرضه للسخرية من ملامحه، خاصة شكل أنفه، وهو ما كان من بين الأسباب التي دفعته لاحقًا إلى إجراء عدد من عمليات التجميل.

وفي المقابل، عُرف مايكل جاكسون بجانبه الإنساني، إذ كان يعشق الأطفال والحيوانات، ويحرص على تقديم المساعدة للمحتاجين. ومن أبرز صور هذا الجانب مزرعته الشهيرة “نيفرلاند”، التي لم تكن مجرد مكان للترفيه، بل استقبلت مئات الأطفال الذين يعانون من أمراض مزمنة، حيث كان يدعوهم لقضاء أوقات سعيدة بعيدًا عن معاناتهم.

كما تعرض مايكل لحادثة أثرت بشكل كبير في مظهره وحالته النفسية، بعدما فقد شعره بالكامل وأصيب بحروق من الدرجة الثانية أثناء تصوير إعلان لإحدى شركات المشروبات الغازية. ورغم حصوله على تعويض مالي ضخم، قرر التبرع به لإنشاء مستشفى متخصص في علاج الحروق، ليؤكد اهتمامه الدائم بمساعدة الآخرين.
ومع تصاعد شهرته العالمية، تحولت حياته الشخصية إلى مادة دائمة لوسائل الإعلام، وتزايدت الأضواء المسلطة على تفاصيلها. وكان من أبرز المحطات المثيرة للجدل الاتهامات المتعلقة بالتحرش الجنسي، والتي انتهت بحصوله على البراءة، إلا أنها تركت أثرًا كبيرًا على صورته أمام الرأي العام.
كما أثارت التغيرات الملحوظة في مظهره الكثير من التساؤلات، قبل أن يؤكد أنه كان يعاني من مرضي البهاق والذئبة الحمامية، وهما المرضان اللذان تسببا في تغير لون بشرته وملامحه بمرور الوقت.

وعلى الصعيد العاطفي، تزوج جاكسون عام 1994 من ليزا بريسلي، ابنة أسطورة الروك آند رول إلفيس بريسلي، إلا أن هذا الزواج لم يستمر سوى عامين. وبعدها تزوج من الممرضة ديبورا رو، وأنجب منها طفلين، قبل أن ينفصلا عام 1999، كما رُزق بابنه الثالث من أم بديلة، لتظل حياته العائلية محاطة بقدر كبير من الخصوصية والسرية، شأنها شأن كثير من تفاصيل حياته الشخصية.

في 25 يونيو 2009، رحل مايكل جاكسون عن عمر ناهز 50 عامًا، إثر تسمم حاد بمادة “البروبوفول” والمهدئات، في وفاة صُنفت لاحقًا على أنها جريمة قتل غير عمد. وجاءت وفاته في وقت كان يستعد فيه للعودة إلى جمهوره من خلال سلسلة حفلات “This Is It” في لندن، والتي كان يعول عليها لاستعادة نشاطه الفني وتجاوز أزماته المالية، إلا أن الضغوط النفسية والإرهاق الجسدي اللذين عانى منهما خلال فترة التحضيرات أثرا بشكل كبير على حالته الصحية.
وعانى جاكسون خلال سنواته الأخيرة من أرق مزمن، ما دفعه إلى الاعتماد على الأدوية والمهدئات للنوم، وفي الساعات الأخيرة من حياته، عاد إلى منزله بعد آخر بروفة للحفل، وبعد فشل عدد من المهدئات في مساعدته على النوم، حقنه طبيبه الشخصي، كونراد موري، بمادة “البروبوفول”، وهي مخدر قوي يُستخدم عادة داخل غرف العمليات، قبل أن يغادر الغرفة لبعض الوقت.

وبعد فترة قصيرة، عاد الطبيب ليجد جاكسون فاقدًا للتنفس، وحاول إنعاشه قبل استدعاء فرق الإسعاف، التي نقلته إلى مركز رونالد ريغان الطبي بجامعة كاليفورنيا، حيث فشلت محاولات إنقاذه، وأُعلن رسميًا عن وفاته ظهر يوم 25 يونيو 2009.
وكشف تقرير الطب الشرعي لاحقًا أن الوفاة نتجت عن تسمم حاد بالبروبوفول مع أدوية مهدئة أخرى، كما أظهر أن جاكسون كان يعاني من هزال شديد وآثار حقن متكررة نتيجة تلقيه العلاجات والأدوية بشكل مستمر.
وأثارت الوفاة صدمة عالمية، لتبدأ بعدها واحدة من أشهر المحاكمات في الوسط الفني، إذ أُدين الطبيب الشخصي كونراد موري عام 2011 بتهمة القتل غير العمد، بعدما أثبتت المحكمة ارتكابه إهمالًا جسيمًا من خلال إعطاء مخدر جراحي داخل منزل جاكسون دون توافر التجهيزات الطبية اللازمة لمراقبة حالته، ليُحكم عليه بالسجن، في قضية ظلت واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ الموسيقى.

ورغم مرور 17 عامًا على رحيل مايكل جاكسون، أعاد فيلم “Michael” اسمه إلى صدارة المشهد الفني من جديد، بعدما حقق نجاحًا عالميًا غير مسبوق، متصدرًا شباك التذاكر بإيرادات اقتربت من مليار دولار، ليصبح أحد أنجح أفلام السيرة الذاتية الموسيقية في التاريخ، ويؤكد أن شعبية “ملك البوب” لم تتراجع بمرور الزمن.
ولعب جعفر جاكسون، ابن شقيق مايكل، دورًا كبيرًا في هذا النجاح، بعدما نال إشادات واسعة من الجمهور والنقاد بفضل التشابه الكبير مع عمه، وقدرته على تجسيد حركاته الاستعراضية وأسلوبه الغنائي على نحو أعاد “ملك البوب” إلى الشاشة بصورة أقرب إلى الواقع، ما جعل أداءه أحد أبرز عناصر قوة الفيلم.

ولم يقتصر تأثير “Michael” على جمهور مايكل القديم، بل نجح في تعريف أجيال جديدة، خاصة من فئتي “Gen Z” و”Alpha”، بمسيرته الفنية وأشهر أغانيه، لتعود أعمال مثل “Thriller” و”Billie Jean” و”Beat It” إلى قوائم الأكثر استماعًا عبر المنصات الموسيقية، بينما انتشرت مقاطع الرقص على أغانيه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في تأكيد جديد على أن إرث مايكل جاكسون لا يزال قادرًا على إلهام أجيال لم تعاصره.

