أضواء مبهرة، رقصات متقنة، وآلاف المعجبين يهتفون بحماس تحت سقف واحد في العاصمة اليابانية طوكيو. المشهد يبدو كحفل تقليدي لأحد نجوم البوب، لكن ثمة تفصيل واحد يغير كل شيء: النجمة المتألقة على الشاشة لم تطأ قدماها المسرح قط، فهي ببساطة “ليست بشرًا”.
إنها “كيزونا آي” (Kizuna AI)، الشخصية الكرتونية ثنائية الأبعاد التي أعادت تعريف مفهوم النجومية في العصر الرقمي، بوصفها رائدة ظاهرة الـ “VTuber” (اليوتيوبر الافتراضي). ورغم غيابها المؤقت الذي بدأ في 2022، عادت “آي” لتشعل الساحة في فبراير 2025، مثبّتة أقدامها كظاهرة عابرة للحدود والقارات.
ما وراء القناع الرقمي: بشر يحكون القصة
خلف ملامح “الأنمي” اللطيفة، يقف جيش من المبدعين. ففي استوديو متطور بمنطقة “شينجوكو”، ترتدي الراقصة “أميكا” (25 عامًا) بدلة خاصة لالتقاط الحركة، محاطة بـ 28 كاميرا ترصد كل إيماءة بدقة متناهية لتنقلها إلى الشخصية الافتراضية.
تقول “أراكي”، مصممة الرقصات العريقة لكيزونا آي: “لقد فتحت الـ VTubers آفاقًا جديدة للراقصين. في السابق كان الطموح هو الرقص خلف النجوم، أما الآن، فالكثيرون ينضمون إلينا ليصبحوا هم ‘المحرك’ لهذه الشخصيات. الجمال هنا أن العمر والمظهر الجسدي لا يهمان، ما يهم هو الروح والأداء”.
من فكرة جامعية إلى إمبراطورية “روابط”
وُلدت فكرة “كيزونا آي” من طموح شابين جامعيين، “تاكيشي أوساكا” و”جونجي ماتسودا”. اختارا اسم “كيزونا” (بمعنى روابط باليابانية) ليعكس رغبة البرنامج في التواصل مع البشر، بينما كلمة “آي” (AI) تحمل ازدواجية لغوية؛ فهي ترمز للذكاء الاصطناعي، وفي الوقت نفسه تنطق مثل كلمة “حب” باليابانية.
ويوضح أوساكا، الرئيس التنفيذي لشركة Activ8: “صممنا الشخصية لتكون جذابة بأسلوب الأنمي الياباني دون مبالغة، لضمان قبول الجمهور العام”. ورغم أن الجمهور الغربي تقبلها فورًا كشخصية خيالية حية، إلا أن الجمهور الياباني احتاج وقتًا قبل أن ينغمس في هذه الظاهرة التي باتت تعتمد اليوم على ثقافة الـ “Oshikatsu”، حيث ينفق المعجبون أموالًا طائلة لدعم أيقوناتهم المفضلة.
المعجبون.. حب يتجاوز الشاشات
تتجاوز شعبية “آي” حدود اليابان لتصل إلى أكثر من 3 ملايين مشترك على يوتيوب. “جو تشاوهينج” (26 عامًا)، قطع المسافة من الصين إلى طوكيو لمجرد رؤية عرض العودة في سبتمبر الماضي، ويقول والدموع في عينيه: “لقد حزنت بشدة خلال فترة توقفها، ارتديت اليوم الزي الذي تحبه ‘آي تشان’.. أنا سعيد جدًا لأنني هنا”.
تحدي الذكاء الاصطناعي الحقيقي
اليوم، لا تواجه كيزونا آي منافسة من الـ VTubers الآخرين فحسب، بل من المحتوى المولد كليًا بالذكاء الاصطناعي. لكن أوساكا يظل متفائلًا: “مهما تطورت التكنولوجيا، سيظل الناس ينجذبون للحس البشري الكامن وراء الشخصية. نحن نبحث دائمًا عن آثار الجهد البشري والكفاح من أجل الإبداع، وهذا ما لا يمكن للآلة وحدها توفيره”.
بطموحات تصل إلى مهرجان “كوتشيلا” العالمي وتعاونات دولية مرتقبة، تثبت “كيزونا آي” أن المستقبل قد لا يكون بشريًا بالكامل، لكنه حتمًا سيبقى نابضًا بالمشاعر البشرية.

