لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد مساحة عابرة للترفيه وقضاء الوقت، بل تحولت على يد جيل جديد من صناع المحتوى الشباب إلى مسارح مفتوحة لتقديم فنون الطهي بأساليب غير تقليدية تكسر القوالب المعتادة.
وفي صدارة هذا المشهد الفني الملهم، برز اسم الشاب أدهم محسن، الشهير بـ “أدهم فود”؛ إذ تمكن خلال فترة وجيزة من فرض اسمه كواحد من ألمع صناع محتوى الطهي المبتكرين في مصر والوطن العربي، محولًا المطبخ من مكان لإعداد الوجبات إلى ساحة للابتكار والعروض المرئية الساحرة.
يُعرف أدهم محسن في العالم الرقمي بلقب “Adhamsfood”، بينما يطلق عليه متابعوه وزملاؤه أحيانًا لقب “المتربي”؛ نظرًا لأسلوبه التهذيبي الهادئ في الحديث وشغفه الاستثنائي بالترتيب والتنظيم.
وتعود بدايات هذا الشغف إلى مرحلة مبكرة جدًا من حياته، وتحديدًا عندما كان في الصف السادس الابتدائي؛ حيث كان يتنقل بين أروقة المطبخ، يختبر النكهات، ويبتكر أساليب جديدة لإعداد الوجبات اليومية.
يتميز أدهم بكونه “طاهيًا منزليًا” يعتمد كليًا على التجربة والتعلم الذاتي. وبفضل هذا الإصرار، نجح في بناء قاعدة جماهيرية واسعة تنتشر عبر منصات إنستجرام، تيك توك، ويوتيوب؛ حيث يتجاوز عدد مشتركيه في قناته الرسمية على يوتيوب حاجز 250 ألف مشترك، فضلًا عن مئات الآلاف من المتابعين والتفاعلات المليونية عبر إنستجرام وتيك توك.
وتتويجًا لهذا النجاح والظهور الإعلامي، حلّ أدهم ضيفًا في بودكاست الطهي الشهير “Foodcast” مع صانع المحتوى عمرو شريف، في حوار سجل حضورًا كبيرًا تحدث خلاله عن بدايات شهرته والتحديات التي واجهها للوصول إلى أسلوبه البصري الخاص.
وتعتمد تجربة المشاهدة لدى “أدهم فود” على عناصر بصرية وصوتية متكاملة تجعل الوصفات تبدو كأنها قطعة سينمائية مصغرة؛ فهو يستخدم تقنية ASMR بتسجيل صوتي نقي يُبرز أصوات تقطيع الخضروات، قرمشة المقليات، وأزيز قلي اللحوم في الزبدة، مما يمنح المشاهد تجربة حسية فريدة تجلب الاسترخاء وتثير الشهية في آن واحد.
كما يعتمد على كادر تصوير قريب جدًا وزوايا رأسية عالية الدقة تبرز التفاصيل الدقيقة للأكل، مع الاهتمام بـ “جماليات التقديم”، ونظافة المطبخ، والترتيب الاستثنائي لمكونات العمل قبل البدء. ولا يكتفي بتقديم الوصفات التقليدية كما هي، بل يضع لمسته الخاصة؛ كإضافة أجبان مختلفة، تحضير صوصات مبتكرة، أو مزج المطبخ الشرقي بالمطبخ الغربي.
وقدم أدهم عبر صفحاته مئات الفيديوهات التي حققت انتشارًا واسعًا واستعادت ثقة الجمهور في ابتكارات المطبخ، وفي مقدمتها حلقة ساندويتش البيض بالعجوة والزبدة التي تقوم فكرتها على إحياء وصفة شعبية من التراث المصري بأسلوب عصري جذاب؛ حيث يبدأ الفيديو بصوت نزع النوى من حبات التمر، ثم تحميرها في كمية وفيرة من الزبدة الطبيعية حتى تذوب وتسيل السكريات، ليعقبها بإضافة البيض مع قليل من القرفة والملح، مع إبراز التباين البصري بين طراوة التمر وقوام البيض لتقديم وجبة إفطار غنية ومختلفة.
وفي حلقة الأرز المقلي مع البيض من بقايا الطعام، قدم أدهم حلولًا مبتكرة لاستغلال “الأرز البايت” لإعداد وجبة سريعة ومغذية على طريقة المطاعم الآسيوية، متناولًا تقنية طهي الأرز على نار عالية جدًا مع خفق البيض بسرعة وتشويح الخضروات وإضافة صلصة الصويا وزيت السمسم، مؤكدًا على أهمية أن يكون الأرز باردًا وجافًا لتحقيق القرمشة المطلوبة.
أما في وصفات الدجاج بالكريمة والكيس الحراري، فقد ركز على تحضير وجبة غداء كاملة (دجاج وأرز بسمتي بالكريمة) بأقل جهد وأعلى جودة باستخدام أكياس الطهي الحرارية، مسلطاً الضوء على خطوات التتبيل ومزج الأعشاب العطرية مع الكريمة والبهارات وإدخالها الفرن، وصولًا للحظة السحرية لفتح الكيس وانبعاث البخار والصوص المتقاطر.
وامتدت إبداعاته لتشمل الأطباق العربية والعالمية، حيث أعاد تقديم كبسة اللحم والدجاج والأرز الخليجي بأسلوب احترافي؛ يبدأ بتحمير البصل والبهارات الصحيحة كالهيل والقرفة واللومي لاستخراج الزيوت العطرية، يعقبها سلق اللحم أو الدجاج وإضافة الأرز طويل الحبة، مع تصوير احترافي لعملية “سكب الأرز” واللحم المحمر على وجه الصينية.
وفي سهرة المعجنات والحلويات، قدم كيكة الكوكيز المحشوة بالشوكولاتة السبريد وشوكلت شيبس، مبرزًا خفق السكر البني مع الزبدة المذابة لتحقيق القوام الهش الداخلي والقرمشة الخارجية، مع تقطيع الكيكة وهي دافئة ليتدفق صوص الشوكولاتة بشكل بصري مغرٍ.
ويعكس نجاح “أدهم فود” نموذجًا صريحًا لصانع المحتوى الذي لم يستسلم للأساليب التقليدية، بل استطاع تحويل الهواية التي بدأت في صغره في أروقة المطبخ إلى منصة احترافية تجمع بين الفن البصري، الترفيه، وثقافة الطهي. ويمثل استمراره وتطويره لأدواته نقطة جذب للجمهور الشاب الباحث عن محتوى خفيف، سريع، وممتع بصريًا.

