تطل ذكرى ميلاد الفنان القدير سعيد صالح كفرصة لاستعادة مسيرة واحد من أكثر صناع البهجة تأثيرًا في وجدان الجمهور العربي؛ فخلافًا لكثير من الأعمال الفنية القديمة التي انزوت مع مرور العقود، لا تزال أعماله تُعرض وكأنها أُنتجت اليوم، ملهمة أجيالًا متعاقبة وجدت في عفويته الساحرة مناخًا دائمًا للضحك المخلص.
شهدت قرية مجيريا التابعة لمركز أشمون بمحافظة المنوفية مولد سعيد صالح في 31 يوليو من عام 1940، في أحضان أسرة متوسطة الحال انتقلت لاحقًا للعيش في القاهرة؛ حيث أتم تعليمه الثانوي قبل أن يُتوِّج رحلته الأكاديمية بنيل ليسانس الآداب (قسم اللغة الإنجليزية) عام 1960.
وعلى الصعيد الشخصي، خاض الراحل تجربتي زواج، أنجب في الأولى ابنته الوحيدة هند التي شكلت أقرب المقربين لقلبه ومستودع أسراره، بينما جاءت زيجته الثانية في المرحلة الأخير من حياته.
انطلقت الشرارة الأولى لشغفه الفني من على خشبة مسرح الجامعة بكلية الآداب إلى جوار رفيق عمره عادل إمام. وسرعان ما اكتشف موهبته الفنان حسن يوسف ليقدمه عبر “مسرح التلفزيون”، لتكون مسرحية “البيجاما الحمراء” أولى خطواته الاحترافية.
وتوالت أعماله حتى بلغت النجومية أوجها في “هاللو شلبي”، العمل الذي كشف عن إيمانه بالبطولة الجماعية وعدم هرولته خلف البطولة المطلقة.
تكرس اسم سعيد صالح كـ “فتى المسرح” بفضل قدرته الفذة على الارتجال والخروج المبتكر عن النص؛ فقدم شخصية “مرسي الزناتي” في الملحمة الشبابية “مدرسة المشاغبين”، ثم أتبعها بشخصية “سلطان السكري” في “العيال كبرت”، وهما الشخصيتان اللتان حفرتا اسمه بأحرف من نور في ذاكرة الفن العربي.
لم يكن حضور سعيد صالح السينمائي أقل إبهارًا، حيث كان يداعبه دائمًا قوله إن السينما المصرية أنتجت نحو 1500 فيلم كان نصيبه منها الثلث، برصيد تجاوز 500 فيلم تنوعت بين الكوميديا الشقية والدراما التراجيدية المركبة.
وشهدت مسيرته مشاركات في أعمال بارزة منذ ستينيات القرن الماضي مثل “قصر الشوق”، “إضراب الشحاتين”، “كيف تسرق مليونير”، “الحرامي”، “أبواب الليل”، وصولًا إلى “الرصاصة لا تزال في جيبي”، “سونيا والمجنون”، “احترس نحن المجانين”، “قصة الحي الغربي”، “مخيمر دايما جاهز”، “الشيطان يعظ”، “أشياء ضد القانون”، “جبروت امرأة”، “أنا اللي قتلت الحنش”، “العرضحالجي في قضية نصب”، “يا عزيزي كلنا لصوص”، “الصعايدة جم”، “الواد سيد النصاب”، و”أمير الظلام”.
وعلى مدار ستين عامًا، شكل سعيد صالح مع صديق عمره عادل إمام ثنائيًا نادرًا استمر من مقاعد الدراسة وحتى أواخر أيام حياتهما دون أن تمسه منافسات النجومية؛ فاشتركا في نجاحات مسرحية وسينمائية خالدة مثل “رجب فوق صفيح ساخن”، “المشبوه”، “على باب الوزير”، “الهلفوت”، و”سلام يا صاحبي” الذي قدم فيه دور “بركات” كرمز للرفيق المخلص، حتى اختتم هذه الثنائية بظهور شرفي ومناشدة إنسانية مؤثرة في فيلم “زهايمر”.
كما كان له نصيب في الدراما التلفزيونية عبر أكثر من 42 مسلسلًا، منها “هارب من الأيام”، “خيال المآتة”، “الفلاح”، وعودة الروح.
وخلف أضواء الشهرة، عاش سعيد صالح ببساطة متناهية وكرم مفرط، مضحيًا بمعظم أجره لدعم العمال والموهوبين الجدد والمحتاجين، فضلًا عن آرائه الجريئة ومواقفه الشجاعة في مساندة زملائه خلال أزماتهم.
وفي سنين عمره الأخيرة، داهمته الأزمات الصحية الشديدة بدءًا من عام 2005، حيث عانى من ضيق وشرايين القلب انسدادًا، إلى جانب السكري والجلطات الدماغية المتكررة ودخوله في غيبوبات متقطعة أبعدته عن الأضواء.
وفي مفارقة حزينة، طُويت صفحة صانع البسمة في الأول من أغسطس عام 2014 بمستشفى كوبري القبة العسكري بالقاهرة عن عمر يناهز 74 عامًا، وذلك بعد يوم واحد فقط من احتفاله بذكرى ميلاده، لتظل ضحكته باقية في قلوب الملايين.

