“الأمر أشبه بالتعامل مع روبوت.. إنها تجربة قاسية”، بهذه الكلمات تلخص بوفانا شيلوكوري، طالبة السنة الثالثة في تخصص إدارة الأعمال، معاناتها مع سوق العمل. بوفانا، التي لم تتجاوز العشرين من عمرها، قدمت على أكثر من 100 وظيفة، وكان نصيبها الرفض في جميعها.
تقول بوفانا بحسب تقرير “بي بي سي”: “في بعض الأحيان، كنت أتلقى رسالة الرفض بعد أقل من دقيقتين من تقديم الطلب، وهو أمر مرعب حقًا”. هي مقتنعة تمامًا بأن طلباتها لا تمر على عين بشرية، بل يتم فحصها واستبعادها بواسطة خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي باتت الشركات تعتمد عليها بشكل كلي في التوظيف.
واقع مرير: 200 طلب للحصول على عرض واحد
لا تقتصر معاناة بوفانا على لندن فحسب، بل تعكس أزمة جيل كامل يجد “السلم الوظيفي” بعيد المنال. فمنذ ذروة ما بعد الجائحة، انخفضت شاغر الوظائف إلى النصف تقريبًا، بينما جعلت التكاليف المرتفعة وحقوق الموظفين الجديدة الشركات أكثر حذرًا في التوظيف.
وعندما تقرر الشركات التوظيف، فإنها تلجأ للذكاء الاصطناعي لغربلة الأعداد الهائلة من المتقدمين. ووفقًا لبيانات “لينكد إن”، فإن 89% من مسؤولي التوظيف في المملكة المتحدة يخططون لزيادة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي هذا العام.
ويؤكد دينيس ماتشويل، الرئيس التنفيذي لشركة “أديكو” العالمية للتوظيف، هذا الواقع القاسي قائلًا: “في المتوسط، يحتاج الشخص لإرسال 200 طلب ليحصل على عرض وظيفي واحد”.
ويضيف موضحاً أثر التقنية: “الذكاء الاصطناعي يمنحنا القدرة على التوسع؛ في السابق كنت تتواصل مع 50 شخصًا وتختار واحدًا، فيحزن 49. اليوم، التواصل مع 500 مرشح يعني خلق 499 شخصاً محبطًا”.
المقابلة مع “المرآة” وسرقة الشخصية
بالنسبة لبوفانا، تحول التقديم إلى روتين آلي؛ حيث تجلس أمام الشاشة لتجيب على أسئلة يطرحها نظام توظيف، بينما تراقب انعكاس صورتها وهي تتحدث. تصف ذلك قائلة: “أشعر أنني تحولت إلى روبوت؛ تتحدث لنفسك لمدة 20 دقيقة بنبرة رتيبة، دون أي تفاعل بشري. هذا النظام ينتزع منك شخصيتك، وهو أمر محزن للغاية”.
ومع تدفق الطلبات – كما حدث مع شركة المحاماة “ميشكون دي رييا” التي تلقت 5000 طلب لشغل 35 وظيفة فقط – بدأت الشركات في اختبار “روبوتات دردشة” ذكية تدير مقابلات أولية في الوقت الفعلي، بل وتمتلك القدرة على كشف أجزاء السيرة الذاتية التي كتبها المتقدم باستخدام الذكاء الاصطناعي.
عدالة الآلة أم لمسة البشر؟
على الجانب الآخر، يرى توم ويكستيد، مدير الوظائف المبكرة في “ميشكون دي رييا”، أن الذكاء الاصطناعي قد يجعل العملية أكثر عدالة. ويقول: “لا توجد عملية توظيف بشرية خالية من التحيز؛ لذا فإن الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على أن يكون أكثر اتساقًا وإنصافًا من الأساليب القديمة”.
لكن بوفانا تظل متشككة: “أنا لا أثق في الذكاء الاصطناعي، سأثق دائمًا في البشر، لكن المشكلة تكمن في صعوبة الحصول على فرصة لمقابلة هؤلاء البشر”.
ويختتم ماتشويل رؤيته مؤكداً أن الحل يكمن في التوازن: “يجب حقن ذكاء الآلة في اللحظة المناسبة، بحيث تكتمل كفاءة التكنولوجيا مع حكمة وحكم البشر. هذا المزيج هو الوحيد الكفيل بوقف سباق التسلح الحالي في سوق التوظيف”.

