لطالما تميزت صناعة الأزياء عن غيرها من القطاعات؛ فالمستهلك لا يشتري الملابس لحاجته إليها فحسب، بل يشتري مدفوعًا بالملل، أو تحت تأثير “المؤثرين”، أو لمجرد التصفح. هذا السلوك جعل من عالم الموضة بيئة مثالية لتقنيات مصممة لتشكيل طريقة تسوقنا، حيث تُحرك المبيعات اتجاهات دورية وحجم استهلاك ضخم.
وتعتمد الصناعة بشكل كبير على الإنتاج المفرط، تتبعه دورات مستمرة من التخفيضات لتصريف المخزون. ولم تعد التنزيلات مجرد أحداث عارضة، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من بنية النظام التشغيلي. واليوم، تتدخل طبقة جديدة من تقنيات الذكاء الاصطناعي لتسريع وتيرة هذا النظام بشكل مذهل.
التسعير الديناميكي: ليس للارتفاع فقط
لقد عرفنا “التسعير الديناميكي” لسنوات في رحلات الطيران وخدمات النقل الذكي، حيث ترتفع الأسعار كلما زاد بحثك. لكن في عالم الموضة، وبما أن الطلب لا يرتبط دائمًا بالضرورة، فإن التسعير لا يكافئ العجلة فحسب، بل قد يكافئ “الصبر” أيضًا.
كشف تقرير حديث لـ “بيزنس إنسايدر” في الولايات المتحدة كيف بدأ التسعير الديناميكي يهيمن على تجارة التجزئة؛ حيث تغيرت أسعار سلع موجودة في “سلة تسوق” إلكترونية لمتجر شهير عدة مرات خلال أيام قليلة. أحيانًا ترتفع، وأحيانًا تنخفض، وفي حالات معينة، أدى الانتظار إلى الحصول على خصم يصل لـ 17%. ومع تحول هذا الأمر لواقع معتاد، سيتحول التسوق من مجرد قرار شراء إلى عملية “اقتناص توقيت” داخل النظام.
عندما يتولى “البوت” مهمة الشراء
للوهلة الأولى، تبدو أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة للتسوق موجهة نحو الرفاهية، مثل ميزة “قياس الملابس افتراضيًا” التي أصبحت أكثر واقعية، مما يقلل من نسب المرتجعات التي تؤرق المتاجر.
لكن شركات مثل “جوجل” تذهب إلى أبعد من ذلك؛ إذ يمكنك الآن تجربة القطعة افتراضيًا، وتحديد السعر الذي ترغب في دفعه، وسيقوم النظام بتتبعها وإخطارك عند وصولها لذلك السعر، بل وإتمام عملية الشراء نيابة عنك إذا منحت الإذن. هنا ننتقل من “أداة مساعدة” إلى ما يسمى بـ “التجارة الوكيلة” (Agentic Commerce)، حيث يتصرف وكيل الذكاء الاصطناعي كبديل عنك بناءً على تفضيلات مسبقة.
من يحدد السعر حقاً؟
في النموذج التقليدي، تضع العلامات التجارية السعر بناءً على العرض والطلب. أما في النموذج الصاعد، فأنت كمستهلك تغذي النظام مباشرة بإعلانك عما “ترغب في دفعه”.
قد يبدو هذا تمكينًا للمستهلك، لكنه يطرح سؤالًا جوهريًا: من المتحكم حقًا إذا كان الطرفان يقودهما الذكاء الاصطناعي؟
إذا حدد المستهلك سعرًا يشعر بالراحة تجاهه، فقد يتم الشراء فور وصول السعر لهذا الحد، بينما كان من الممكن أن ينخفض السعر أكثر لولا كشف المستهلك عن حدّه الأقصى. وبذلك، قد يضع المستهلكون قيودًا على أنفسهم دون إدراك، في حلقة مفرغة توجهها الخوارزميات من الطرفين.
بين الرفاهية والإفراط في الاستهلاك
رغم الفوائد الجلية لأتمتة التسوق في تسهيل الحياة اليومية، إلا أن هناك مخاوف في قطاع الأزياء – المعتمد أصلًا على الاستهلاك المرتفع – من أن هذه الأدوات “المخصصة” قد لا تقلل الاستهلاك، بل قد تشجع على الإفراط فيه ودفع المستهلكين نحو “مشتريات اندفاعية” بفضل إغراءات التنبيهات الذكية وتوقيتات الأسعار المثالية.

