بعيدًا عن صخب المقاطع السريعة وصحافة الاستعراض التي تطفو على السطح الرقمي، اختار الباحث والكاتب المصري هيثم سليمان أن يبحر عكس التيار، مغامرًا بتقديم وجبات تاريخية واستخباراتية ثقيلة الوزن في زمن شح فيه التركيز.
ولم تكن تلك المغامرة سوى نقطة الانطلاق لبناء إمبراطورية توثيقية رقمية استطاعت احتجاز أنفاس الملايين أمام الشاشات؛ حيث تحولت قناته الرسمية على يوتيوب إلى ملاذ لكل شغوف بفك شفرات الماضي وقراءة ما بين سطور الملفات السرية، معتليًا عرش المحتوى التوثيقي بأكثر من 1.79 مليون مشترك عبر يوتيوب وأرشيف تجاوز 395 مقطعًا وثائقيًا يصنع بها حالة استثنائية تجمع بين صرامة البحث التاريخي وسحر الرواية التشويقية.
ويصيغ سليمان هويته المهنية ككاتب وباحث تاريخي ينطلق من شغف واعٍ بتوثيق البطولات العسكرية والعمليات الاستخباراتية والأحداث السياسية المجهولة التي طُويت داخل الأرشيفات المغلقة، مبتكرًا بصمته الخاصة عبر سلسلته الشهيرة “ونبتدي منين الحكاية” التي أصبحت عبارتها الافتتاحية والختامية علامة تجارية مسجلة لدى جمهوره.
ولا يعتمد في صياغة رواياته على الشائعات أو التكهنات الشائعة، بل يرسخ مصداقيته بالاستناد المباشر إلى وثائق المخابرات المعلنة والأرشيفات المفرج عنها من كبرى الهيئات العالمية كالموساد والـ CIA والمخابرات البريطانية، إلى جانب المذكرات الشخصية للضباط والوثائق الرسمية.
ويظهر تميزه في اعتماد نمط “السرد الوثائقي الدرامي” الذي ينأى بنفسه عن الصراخ والمبالغة الصوتية، مفضلًا خامة صوتية دافئة ووقورة تمنح المتلقي إحساسًا بالعمق والجدية. ورغم أن مدة الحلقات تتراوح بين 30 إلى 50 دقيقة، وهي مدة طويلة بمقاييس اليوتيوب الحديث، إلا أنه ينجح في شد الانتباه عبر بناء حبكة رصينة وتقسيم المادة إلى مشاهد وسيناريوهات متسلسلة، مع الحرص التام على استعراض الخرائط، التواريخ، الأبجدية الاستخباراتية، وأسماء الشفرات الحقيقية للعمليات.
وتتنوع مكتبته المرئية بين ملفات الصراع العربي-الإسرائيلي، معارك الحرب الباردة، وخبايا الحرب العالمية الثانية؛ إذ يستعرض في ملف الصراع المباشر مع الموساد تفاصيل “عملية ليلهامر” بوصفها أفشل عملية مخابراتية في التاريخ، شارحًا السقوط المدوي لفريق الاغتيالات الإسرائيلي في النرويج عام 1973 إثر اغتيال الشاب المغربي أحمد بوشيخي خطأً ظنًا أنه القيادي علي حسن سلامة، وكيف تحولت ثقة الموساد المفرطة إلى فضيحة دولية كشفت شبكاته في أوروبا. كما قدم عرضًا وثائقيًا من جزأين يحلل الكواليس الحقيقية لعملية ميونيخ 1972، مستعرضًا خطط التفاوض البديلة والأخطاء التكتيكية الشنيعة للشرطة ألمانية الغربية التي أدت لكارثة مطار فورستنفيلدبروك.
وعلى صعيد بطولات المخابرات العامة المصرية، حققت حلقة الجاسوس “محمد شهاب” أكثر من 2.7 مليون مشاهدة كنموذج لأسرع هجمة مرتدة نجحت فيها مصر في تحويل تجنيد الموساد لبعض العناصر إلى ضربات استباقية وردع استخباري حاسم.
وفي حلقة أخرى حصدت 2.2 مليون مشاهدة، كشف قصة اختراق ناعم ومعقد نفذته جاسوسة مصرية في قلب سلاح الجو الإسرائيلي لاستخراج خرائط التحركات وإحداثيات الرادارات قبل الحروب الرئيسية. كما سلّط الضوء على بطولات حرب الاستنزاف في “عملية لسان التمساح”، مبينًا بالتفصيل التكتيكي كيف خططت المجموعة 39 قتال بقيادة إبراهيم الرفاعي للرد على استشهاد الفريق عبد المنعم رياض واقتحام الموقع الحصين وتدميره بالكامل.
ولم تقف تغطيته عند الحدود الإقليمية، بل امتدت لفك خبايا الخديعة العالمية، حيث شرح “عملية اللحم المفروم” بوصفها أغرب خدعة في الحرب العالمية الثانية بعدما خدعت المخابرات البريطانية أدولف هتلر بجثة مشرد أُلبس زي ضابط بحري وحُمل وثائق مزيفة غيّرت موقع الإنزال ودفعته لنقل قواته بعيدًا عن صقلية.
كما تناول الدراما الجاسوسية الغريبة للدبلوماسي الفرنسي “برنار بورسيكو” الذي ارتبط بعلاقة مع مغني أوبرا صيني أقنعه بأنه امرأة لمدة 20 عامًا، مستغلًا إياه لصالح المخابرات الصينية لتسريب أسرار الغرب.
ويتجلى سر “خلطة” هيثم سليمان في رفضه التام للسقوط في فخ الإثارة الزائفة، وانتصاره للبحث الجاد والأسلوب التوثيقي المحترم، ليحول التاريخ والجاسوسية إلى مادة ممتعة تجذب مختلف الفئات العمرية، وليغدو صوته وعبارته الأيقونية “ونبتدي منين الحكاية” رمزًا لتقديم المحتوى العربي الراقي في أبهى صوره.

