لم تعد مقاطع الفيديو المتداولة للأطفال على منصات التواصل الاجتماعي مجرد مادة للضحك العابر، بل أصبحت في كثير من الأحيان نافذة تكشف عن مخاوف دفينة وضغوط نفسية تفوق أعمارهم الصغيرة.
وهذا ما تجسد بوضوح خلال الساعات الماضية، بعدما تصدر طفل صغير محركات البحث ومنصات السوشيال ميديا، إثر انتشار مقطع فيديو يوثق بكاءه بحرقة أثناء تأدية واجبه المدرسي، في لقطة تبرز الألم المبطن.
ظهر الطفل في الفيديو وعلامات الرعب والدموع تكسو وجهه وهو يردد ببراءة عفوية: “مش عايز أدخل السجن.. هتصوروني عشان أتحبس؟”، كلمات بسيطة لكنها حملت دلالات عميقة، حيث تبين أن الصغير توهم أن توثيق والدته لرفضه المذاكرة أو عدم رغبته في كتابة الواجب هو بمثابة “دليل إدانة” ستقدمه الشرطة لتقديمه إلى المحاكمة، مما عكس حجم الترهيب غير المقصود الذي قد يقع فيه بعض أولياء الأمور لتوجيه أبنائهم.
وشهد الفيديو تفاعلًا واسعًا ونسب مشاهدات قياسية في وقت قصير، وتباينت ردود أفعال رواد السوشيال ميديا أمام هذا المشهد الإنساني؛ فبينما تعامل قطاع من الجمهور مع الأمر بروح الفكاهة الساخرة من وحي براءة تفكير الأطفال وربطهم الخيالي بين “الواجب المدرسى” و”العقوبة القانونية”، أثار المقطع تعاطفًا كبيرًا لدى قطاع آخر.
وانتقد مغردون ومتخصصون لجوء بعض الأسر إلى استخدام “فوبيا العقاب” أو التهديد بـ “الشرطة” كوسيلة لترويض الأطفال أو إجبارهم على المذاكرة، مؤكدين أن هذه الأساليب تزرع في نفوس الصغار خوفًا مرضيًا يمتد معهم خارج أسوار المنزل.
أعاد هذا الفيديو إلى الأذهان قضية متجددة ترتبط بـ “فوبيا المذاكرة والواجبات المنزلية” التي تحول البيوت العربية في مواسم الدراسة إلى ما يشبه ثكنات عسكرية مشدودة الأعصاب.
ودعا رواد التواصل الاجتماعي وعدد من أولياء الأمور إلى ضرورة تبني الرفق واللين أثناء العملية التعليمية بالمنزل، واستبدال التهديد بالقصص الملهمة والمكافآت الإيجابية، خاصة في المراحل العمرية الأولى التي يتشكل فيها وعي الطفل وتتحدد علاقاته بالمدرسة والمجتمع من حوله.
ويفتح المقطع المنشور، بعيدًا عن قضية المذاكرة، الباب مجددًا حول أزمة الخصوصية واستغلال براءة الأطفال في صناعة “التريند”، فبالرغم من أن الأم قد تكون التقطت الفيديو بشكل عائلي عفوي، إلا أن خروجه إلى العلن وتحوله إلى مادة للتداول المليوني يضع الأطفال تحت ضغط نفسي إضافي قد يعرضهم للتنمر أو يرسخ لديهم مشاعر الحرج الاجتماعي مستقبلًا.

