السينما هي آلة الزمن التي تمنحنا فرصة عيش حياة الآخرين ونحن في أماكننا. فسحرها يبدأ بمجرد أن تنطفئ الأنوار وتبدأ الشاشة بعرض عالم يذيب حدود الزمان والمكان.
ولا ينظر إلى مشاهدة الأفلام باعتبارها مجرد تسلية عابرة، بل هي تجربة إنسانية متكاملة تجمع بين الصورة الجميلة، والموسيقى المؤثرة، والقصص التي تلامس القلوب، ففي ساعتين فقط، يمكن لفيلم أن يضحكنا، أو يبكينا، أو يغير نظرتنا للحياة.
وفي عالم السينما المصرية المليء بالكلاسيكيات والأفلام التجارية، ظهر صوت مختلف تمامًا. صوت لا يكتفي بالمشاهدة، بل يوقف الزمن عند كل لقطة غريبة أو خطأ إنتاجي أو ثغرة منطقية، ويحوله إلى مادة كوميدية وتحليلية في آن واحد. هذا الصوت هو محمد جويلي، مؤسس قناة “فيلملوخية” على يوتيوب، التي تجاوزت 315 ألف مشترك، وأصبحت مرجعًا لمحبي السينما الذين يبحثون عن الضحك والفهم معًا.
درس محمد جويلي في معهد السينما وتخصص في المونتاج. بعد دراسته، تغيرت نظرته تمامًا للأفلام. بدأ يلاحظ أشياء لم يكن يراها المشاهد العادي مثل انعكاس مصور في زجاج سفينة تايتانيك، أو ظهور معدات التصوير داخل كادر هاري بوتر. من هنا ولدت الفكرة. في البداية جرب حلقات على أفلام عالمية، ثم انتقل إلى السينما المصرية، خاصة أفلام السبعينيات والثمانينيات، التي وصفها بأنها “عصر ازدهار سينما المقاولات”، كونها مليئة بالأخطاء الإنتاجية بسبب الظروف والإمكانيات المحدودة.
ويتميز أسلوبه بالبساطة والسخرية في الوقت نفسه، حيث يجلس أمام الكاميرا، يعرض المشاهد، يوقفها، ويعلق بلهجة خفيفة مليئة بالإفيهات، ثم يعود ليشرح لماذا هذا الخطأ حدث، وما الذي كان يجب أن يحدث. فهو لا يسخر من الممثلين أو المخرجين بقدر ما يسخر من الظروف التي أنتجت هذه اللحظات.
ففي حلقة فيلم “الظالم والمظلوم”، يركز جويلي على مشاهد الانتقام التي تشبه مونت كريستو. يشير إلى لقطات يظهر فيها الممثل الدوبلير بشكل واضح، أو لحظات يتغير فيها مكان الشخصيات فجأة دون تفسير. ويعلق بسخريته المعهودة على كيفية محاولة الكاميرا تغطية غياب الممثل الأصلي بالزوم والحركة السريعة.
وفي حلقة “يوم 13″، أول فيلم عربي روائي ثلاثي الأبعاد، يسلط الضوء على التناقضات في مشاهد الرعب، حيث يتحدث عن الشبح الذي يلعب الربابة، وعن ردود فعل الشخصيات غير المنطقية، وكيف أن بعض المشاهد مستوحاة حرفيًا من أفلام أجنبية مثل Ghost Ship. ويأتي الضحك من طريقة وصفه للتفاصيل التي تجعل المشاهد يعيد التفكير في كل لقطة.
وبالنظر إلى حلقة “90 دقيقة” فهي مليئة بالإفيهات، حيث يتوقف عند مشاهد تبدو كأنها إعلانات أكثر منها دراما، ويعلق على كمية المنتجات الظاهرة، وعلى الحوارات التي تبدو وكأنها مكتوبة على عجل.
ومن أكثر الحلقات مشاهدة كانت تلك المتعلقة فيلم “جزيرة الشيطان”، حيث يتحدث عن الكنز المفقود، وعن التناقض في أعمار الشخصيات، وعن المشاهد التي تجعل المشاهد يتساءل كيف نجا البطل من مواقف مستحيلة.
ولا يكتفي جويلي بالأفلام المصرية. بل يتناول أيضً أفلامًا هندية مثل “التوأمان” و”مارد” و”أعجوبة”، ويفكك مشاهد الأكشن المبالغ فيها، والحوارات المترجمة بطريقة غريبة، والمشاهد التي تبدو وكأنها من عالم آخر.
وفي مقابلاته، خاصة مع تامر أمين على قناة النهار، يؤكد جويلي أن النقد تغير. فلم يعد الجمهور يقبل أي شيء، وأصبح يبحث عن التفاصيل. ودراسته للمونتاج جعلته يرى ما خلف الكاميرا، فقلت متعته أحيانًا، لكنها فتحت له بابًا جديدًا لصناعة محتوى يجمع بين الترفيه والمعرفة.
وبالتالي محمد جويلي ليس مجرد ناقد أخطاء. هو صانع محتوى يحول اللحظات المنسية في الأفلام إلى مادة حية، تجعل المشاهد يعيد اكتشاف السينما المصرية بطريقة ساخرة وذكية.

