شهدت دار الأوبرا المصرية ساعات عصيبة وانفجارًا متتاليًا للأزمات عشية التحضير لفعاليات مهرجان الموسيقى العربية، انتهت بتقديم رئيس دار الأوبرا والمهرجان، الدكتور رضا الوكيل، استقالته الرسمية من منصبه في ساعة مبكرة من فجر الخميس، لتتوّج حالة من الغليان الفني والانسحابات المدوية لعدد من قامات الغناء المصري، إلى جانب هجوم موسيقين بارزين على إدارته.
,تأتي استقالة الوكيل عقب ساعات قليلة من موجة انتقادات حادة طالته بسبب تصريحاته في المؤتمر الصحفي للمهرجان، حيث أعلن تنحيه عبر منشور على حسابه الشخصي بموقع “فيسبوك” قائلًا: “قبل أن أترككم في سلام لتكملوا العادات والأساليب السابقة التي أتمنى ألّا تعود، والتي بدأت خلال فترة قليلة بتعديلها لمصالحنا، وبالفعل نجحت في تغيير بعض السلوكيات والأفعال التي لم ولن أتقبّل وجودها طوال فترة رئاستي لهذا الصرح الكبير، دار الأوبرا المصرية بيتنا الثاني، أعتذر لكم”.
وأضاف الوكيل موضحًا دوافع قراره: “كنت أتمنى أن أكون معكم حتى انتهاء فترة تعييني، لأن لدي المقدرة على التغيير، ولكنني لن أقبل أن يتحكم أحد في اختياراتي لفنان مصري أقف معه لثقتي في موهبته الكبيرة وحب الجمهور المصري له، لن أكون سببًا في مشاكل مع أحد أو عداء بيني وبين أصدقائي الداعمين لأحد، أرجو تقبّل وجودي معكم كفنان وصديق في الأعمال الفنية التي تكلفونني بها، أشكر زملائي على ثقتكم بي، وأتمنى لنا جميعًا التوفيق بإذن الله”.
ولم تكن الاستقالة سوى القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ سبقتها ضربات متتالية تمثلت في اعتذار أبرز قامات الغناء عن المشاركة. وكانت البداية مع الفنان الكبير علي الحجار، الذي خرج عن صمته ليرد على ما ذكره رئيس الأوبرا في المؤتمر الصحفي بشأن عدم التوصل لاتفاق معه ومشاركته السابقة في فعاليات أخرى، حيث كتب الحجار عبر “فيسبوك”: “اعتذرت عن المشاركة في مهرجان الموسيقي العربية لهذا العام ، وهي المرة الأولي التي لم أشارك فيها منذ إنشاء المهرجان . والسبب الحقيقي هو أن دار الأوبرا اعتمدت ميزانية مالية ضعيفة ومهينة لأعضاء الفرقة الموسيقية المصاحبة لي وهو مالم أقبله ، وهي الحقيقة التي تجاهل رئيس دار الأوبرا الحديث عنها في المؤتمر الصحفي”.
وأكمل الحجار معربًا عن استيائه: “والغريب أنه ذكر أنني في عهده قد أقمت حفلات في مهرجان القلعة وفي الإسكندرية وعلي المسرح الكبير بالأوبرا وهو ماتعودت عليه لأكثر من ثلاثين عامًا قبل مجيئه . وليس فضلًا منه . ونسي أن الفنان المحترم هو الذي يضيف هذا الاحترام للأوبرا، بالإضافة إلي أن الحفلات التي يقيمها الفنان تساهم في زيادة الدخل المادي الذي تدفع منه أجور الفنانين وليس فضلًا من دار الأوبرا”.
وعلى النحو ذاته، أعلن الفنان القدير محمد ثروت مقاطعته للدورة الـ34 للمهرجان، مؤكدًا رفضه للظروف المحيطة بالتنظيم، وكتب عبر صفحته الرسمية على “فيسبوك”: “جمهوري الحبيب، على مدار خمسين عامًا من العطاء والغناء، قدمت لكم ما آمنت به من قيم، وتربت أجيال على أعمالي، من أغاني الأطفال إلى الأغاني الوطنية والدينية، وصنعت رصيدًا فنيًا عاش بين الأجيال. ولم أتأخر يومًا عن المشاركة في أي حدث يمثل بلدنا العزيز، وظل احترامي لبلدي، ولمصريتي وعروبتي، مبدأً لا أحيد عنه”.
وأردف ثروت موضحًا موقفه الحاسم: “طوال مشواري لم أعتد الحديث عن أي كواليس في العلن، أو عبر الإعلام والبيانات الصحفية، ولكن لأول مرة أقولها بوضوح: لن أقبل، ولن أشارك، في إهانة الفن المصري أو الفنانين المصريين، وعليه، قررت عدم المشاركة في مهرجان الموسيقى العربية لعام 2026”.
واتسعت دائرة الغياب لتشمل الفنانة جنات، التي أفادت تقارير صحفية باعتذارها هي الأخرى عن عدم التواجد في جدول حفلات المهرجان هذا العام، ليفقد الحدث بذلك العديد من ركائزه الجماهيرية.
واشتعلت شرارة الأزمة الكبرى خلال المؤتمر الصحفي الذي عقد مساء الأربعاء للإعلان عن تفاصيل المهرجان الممتد لـ11 ليلة، حينما حاول رئيس الأوبرا تبرير عدم التوصل لاتفاقات مع بعض النجوم بوجود أزمة مالية، مستخدمًا عبارة أثارت ردود فعل غاضبة واسعة النطاق عندما قال: “معندناش فلوس كتير زي الدول التانية اللي مش عارفة تصرف فلوسها فين؟”.
هذا التصريح دفع الموسيقار هاني فرحات، رئيس المهرجان في دورته الـ32، لإصدار بيان شديد اللهجة عبر حسابه على منصة “إكس”، قال فيه: “أنا كرئيس مهرجان الموسيقى العربية في دورته الـ32، أعترض تمامًا على التصريحات التي قيلت اليوم، أنا أتحدث عن تجربة عشتها بنفسي: في الدورة التي ترأستها، لم يأتِ نجم واحد من نجوم الوطن العربي يطلب أجرًا أو يعترض على المشاركة، بل كان الجميع فخورًا بأن يكون جزءًا من مهرجان مصر، المهرجان مدعوم من الدولة ووزارة الثقافة زي كل سنة بل بلعكس في دورتي كان أصعب بكثير ، لكن نجاحه لم يكن بالدعم فقط. اشتغلنا، وسوّقنا، وبنينا خطة ماركتنج حقيقية، وجذبنا رعاة كبارًا، وشركات كانت تتمنى أن تكون جزءًا من هذا الحدث”.
وأضاف فرحات مواجهًا إدارة الأوبرا: “فمن فضلكم: لا نُعلّق فشل الأشخاص على الدولة، ولا نُعلّق فشل الإدارة على مهرجان عريق بحجم مهرجان الموسيقى العربية، المهرجان أكبر من أي شخص وأكبر من أي دورة. ومصر أكبر من أن نستخدم اسمها شماعة لأي تقصير، النجاح له ناس اشتغلت عليه، والفشل له مسؤول عنه، فلا نُحمّل البلد والمهرجان فاتورة فشلك”.
وفي السياق ذاته، شنّ الموسيقار أمير عبدالمجيد هجومًا لاذعًا عبر حسابه على “فيسبوك”، معتبرًا ما حدث تقليلًا من شأن الموسيقى العربية والموسيقيين، حيث كتب: “الزميل رضا الوكيل كان زمان بيقولوا إن خريجي الكونسرفتوار ما بيحبوش خريجي الموسيقى العربية، وكتير غيرك أثبتوا عدم صحة النظرية، لغاية ما حضرتك شرفتنا وأصبح رئيس الأوبرا، وبالتالي بواقع منصبك أصبحت رئيس مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية، وبالتالي حضرتك طلعت وصرحت بتصريح ينم عن جهل حقيقي بقيمة الموسيقى العربية، وفرصة لكم للانتقام منها بتحييد النجوم الكبار عن المهرجان بحجة الإفلاس المالي، ونسيت إن نجومنا هم القيمة الحقيقية، واللي بيندفع لهم ملايين من الدول اللي معاها فلوس”.
وواصل عبدالمجيد هجومه محملًا رئيس الأوبرا المسؤولية كاملة: “وبعدين كمان تتهم دول مواقفها واضحة ونظيفة اليد بحجة إن معاهم فلوس مش عارفين يعملوا بيها إيه، جهل وحقد وغيرة وتشفي.. متهيألي صعب حد يصدقك وإنت بتغني على المسرح تاني. شكرًا لمحاولاتك الفاشلة، والكبير كبير بتصرفاته”.

