في تحول جذري قد يغير وجه البنية التحتية الرقمية، كشفت أبحاث حديثة نشرتها “الإدارة العامة للبيئة” التابعة للمفوضية الأوروبية، عن إمكانية تحويل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي من “مستهلك نهم” للموارد إلى “منتج صافٍ” للمياه والكربون السلبي، وذلك عبر استغلال الحرارة المهدرة الناتجة عن عمليات المعالجة المعقدة.
من “أزمة بيئية” إلى “فرصة ذهبية”
مع التوقعات التي تشير إلى أن مراكز البيانات قد تستهلك ما يصل إلى 4% من الكهرباء العالمية بحلول عام 2030، وحوالي 5 مليارات متر مكعب من المياه سنويًا بحلول عام 2027، يبرز التحدي أمام صناع القرار في موازنة التنافسية التكنولوجية مع المرونة البيئية.
وتطرح الدراسة الجديدة رؤية تقضي بالتوقف عن التعامل مع مراكز البيانات كمستهلكين سلبيين للطاقة، واستخدام “الحرارة منخفضة الدرجة” (تتراوح بين 30 و70 درجة مئوية) لتشغيل أنظمة تنقية المياه الحرارية وتقنيات احتجاز الكربون مباشرة من الهواء (DAC).
مساران واعدان: كربون سلبي ومياه إيجابية
أجرى الباحثون تحليلًا اقتصاديًا وانبعاثيًا دقيقًا لستة تطبيقات محتملة للحرارة المهدرة، وخلصت النتائج إلى أن تطبيقين هما الأكثر جدوى وتأثيراً:
احتجاز الكربون من الهواء (DAC): يمكن للحرارة المهدرة تشغيل أنظمة تزيل ما بين 50 إلى 1000 ميجاطن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، بقيمة اقتصادية قد تصل إلى 100 مليار دولار أمريكي.
التنقية الحرارية للمياه: استخدام نفس الحرارة لتحويل مياه البحر أو المياه الجوفية المالحة إلى مياه صالحة للشرب، مما يحول مراكز البيانات إلى “منتج صافٍ” للمياه.
مقياس جديد للكفاءة: EUE+
اقترح الباحثون مقياسًا جديدًا أطلقوا عليه “كفاءة استخدام الطاقة بلس” (EUE+)، والذي يركز على تحقيق أقصى استفادة ممكنة من كل كيلوواط/ساعة من الكهرباء. وبناءً على هذه الفرضية، يمكن لكل كيلوواط/ساعة يُنفق في الحوسبة أن يسهم في وقت واحد في إزالة نصف كيلوجرام من ثاني أكسيد الكربون وإنتاج نصف كيلوجرام من المياه العذبة.
تحديات تقنية على الطريق
رغم التفاؤل، لا تزال هناك عقبات قائمة؛ فالحرارة الناتجة قد تكون أحيانًا أقل من الدرجة المثالية لتشغيل أنظمة احتجاز الكربون بكفاءة عالية، كما أن ضخامة الحرارة المهدرة تتطلب منشآت احتجاز كربون أكبر من أي نموذج تجريبي موجود حاليًا في العالم.
نحو “اقتصاد رقمي دائري”
تتقاطع هذه الدراسة مع “استراتيجية المرونة المائية” للمفوضية الأوروبية، التي تهدف لبناء اقتصاد ذكي مائيًا. ويؤكد التقرير أن البنية التحتية التي تقود التحول الرقمي في أوروبا يمكن أن تكون هي نفسها المحرك للتحول الأخضر، إذا تعلمت البشرية كيف تستخدم “كل واط” لأغراض متعددة، لتقلب الموازين من استهلاك الموارد إلى حمايتها.

