في زحام القاهرة الصاخب، يبرز اسم مصطفى قمري كصوت مختلف في عالم المحتوى السياحي والتاريخي. هو مرشد سياحي يتحدث العربية والإنجليزية والألمانية، وصانع محتوى يتجول في حارات مصر وأطلالها ليخرج القصص المنسية من تحت التراب.
تضم صفحته على فيسبوك أكثر من 309 ألف متابع، بينما يجمع مجتمعه عبر يوتيوب وإنستجرام وتيك توك أكثر من 500 ألف متابع، ويصف نفسه بـ”شريك إعلامي لوزارة الثقافة المصرية”.
قمري ليس مجرد مرشد ينقل السياح من الأهرامات إلى المتحف المصري. هو رحّالة يبحث عن “الحكايات التي سكنت الحجر والذاكرة”. يقود جولات خاصة، ويصور يومياته بأسلوب فلوج عفوي، ويقدم المحتوى بلغة بسيطة قريبة من الناس، مليئة بالحماس والتفاصيل الحسية: رائحة الأرض بعد الري، صوت العصافير بدل المنبه، أو ابتسامة أهل حارة قديمة.
ويمزج قمري بين التاريخ الشعبي والعمارة واللحظات الإنسانية اليومية، فيجعل المشاهد يشعر كأنه يمشي معه، ويتميز محتواه بكونه غني ومتنوع. ففي القاهرة التاريخية يقف أمام جامع السلطان الأشرف برسباي ويمدح نقوشه المملوكية، أو يشرح تفاصيل جامع ومدرسة السلطان حسن (1356-1363م) بمدخله الذي يبلغ ارتفاعه 38 مترًا ونظام الإيوانات الأربعة.
كما يدخل قمري حارة القربية قرب باب زويلة، ويحكي كيف كانت سوقًا لبيع الجلود وصنع القرب التي يستخدمها السقاؤون، ويستشهد بوصف المقريزي. ويزور خلوة ومحراب السيدة نفيسة، ويروي سيرتها من ولادتها في مكة إلى استقرارها في مصر.
أما خارج العاصمة فيذهب إلى رشيد، المدينة التي “يتوقف فيها الزمن”، ويشرح دورها في اكتشاف حجر رشيد الذي فك رموز اللغة الهيروغليفية. وفي الأقصر يدخل متحف التحنيط ويصف المومياوات وأدوات التحنيط والتوابيت الملونة والحيوانات المحنطة، في فيديو حقق أكثر من 2.7 مليون مشاهدة.
ويصور أيضًا لحظات يومية بسيطة: طابور صباحي لمدرسة بعيدة يصل صوته إلى شرفته، أو مشهدًا من جزيرة الذهب في المعادي يقارن فيه حياة الفلاح الهادئة بجري المدينة وراء الشاشات.
ومن أبرز إنجازاته الأدبية روايته الأولى “مملكة النساء” الصادرة عن دار كيان للنشر والتوزيع في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026، والتي استوحاها من حكايات أهل قرية كوم فرين في الدلتا عن أطلال حصن فرعوني ومدينة ضائعة من كتب التاريخ في عهد رمسيس الثالث، بعد أن ذُبح رجال المدينة على يد غزاة “المشوش”، وواجهت النساء العاديات الخوف والجوع وحدهن، بعضهن فررن، وأخريات أشعلن ثورة الجياع، وبعضهن لجأن إلى السحر، فهي رواية عن الصمود المنسي، كتبتها النساء بدموعهن ثم اختفين من التاريخ.
وبالنظر إلى طريقة تقديمه للمحتوى فتتميز بالعفوية والعمق معًا. يبدأ بـ”أهلًا بيك من…” ثم ينتقل بسلاسة من الوصف البصري إلى الحكاية التاريخية أو الشعبية، ويختم بدعوة للتفاعل.
ويجمع بين الصور الجميلة والسرد القصصي، ويجعل التاريخ حيًا قريبًا من القلب لا مجرد معلومات جامدة. في زمن يبحث فيه الناس عن الهوية والأصالة، يقدم مصطفى قمري مصر كما هي: طبقات من الحجر والحكاية والناس العاديين الذين صنعوا التاريخ دون أن يُذكروا.

