يوافق اليوم الثالث عشر من يوليو ذكرى ميلاد الفنان القدير علي الكسار، أحد أبرز رواد المسرح والسينما الكوميدية في مصر والعالم العربي، وصاحب المدرسة الفنية العفوية التي شكلت وجدان الفن المصري في النصف الأول من القرن العشرين.
ولد الكسار عام 1887 في حي السيدة زينب بالقاهرة النابض بالأصالة، واسمه الحقيقي “علي محمد خليل سالم”، لكنه اختار لقب “الكسار” وفاءً وتكريمًا لعائلة والدته “زينب”، والتي قامت ببيع الفرن الذي كانت تمتلكه لتفتدي ابنها من التجنيد الإجباري في الجيش وتشجعه على خوض غمار الفن، ليرحل عن عالمنا في الخامس عشر من يناير عام 1957 عن عمر ناهز 69 عامًا، تاركًا خلفه إرثًا سينمائيًا ومسرحيًا خالدًا.
وقد انعكست البيئة الشعبية التي نشأ فيها الكسار على أعماله، فبدأ مشواره المسرحي مبكرًا عام 1907 بتأسيس فرقة “دار التمثيل الزينبي”، ثم انضم لفرقة الفنان جورج أبيض، حيث التقى بالكاتب أمين صدقي لتولد بينهما شراكة تاريخية أثمرت عن تأسيس فرقة “علي الكسار وأمين صدقي” عام 1916.
وفي مطلع عام 1919، وتحديدًا في السادس من يناير، انتقلت الفرقة إلى مسرح “الماجستيك” بشارع عماد الدين قلب الحركة الفنية بالقاهرة، لتنطلق مرحلة النجاحات الاستثنائية؛ إذ كانت الفرقة تقدم مواسم كاملة صيفًا وشتاءً بمعدل 11 حفلة أسبوعيًا ومسرحية جديدة كل ثلاثة أسابيع، فضلًا عن جولات غنائية واستعراضية في المحافظات والدول العربية، قدم خلالها الكسار أكثر من 200 أوبريت ومسرحية تعاون فيها مع عمالقة الكتابة مثل بديع خيري وحامد السيد.
وفي قلب هذا التوهج المسرحي، ولدت شخصية “عثمان عبد الباسط”، ذلك “النوبي الطيب” والبربري البسيط الذي ينتصر بذكائه الفطري وخفة ظله، ليتوج الكسار بلقبي “أبو الكوميديا المصرية” و”بربري مصر الوحيد”؛ وهي الشخصية التي لم تنحصر في دور البواب أو الخادم، بل تلونت في قوالب درامية متنوعة جذبت أنظار المخرج والمنتج توجو مزراحي، لينقلها بحرفية إلى الشاشة الفضية.
وكان الكسار قد بدأ سينمائيًا عام 1920 بفيلم “الخالة الأمريكانية” كأحد أوائل الأفلام المصرية الصامتة، غير أن المحطة السينمائية الأبرز ونقطة التحول في شباك التذاكر كانت عام 1939 عبر فيلم “سلفني تلاتة جنيه”، ليقدم بعدها مسيرة سينمائية تضم 36 فيلمًا تعاون فيها مع كبار المخرجين أمثال حسين فوزي، وحسن الإمام، ومحمود ذو الفقار، وفؤاد خليل.
وعلى النقيض تمامًا من خفة ظله على المسرح وفي كواليس التصوير، فقد كانت شخصية الكسار داخل منزله قوية ومهابة؛ إذ لم يكن يجرؤ أحد من أبنائه على دخول غرفته دون طرق الباب والإذن له، ورغم ذلك عاش حياة بسيطة محبًا لطهي وجبته المفضلة “الفتة باللحمة” بنفسه في المطبخ.
ومن الطرائف والمفارقات التي رواها الكسار في لقاء إذاعي قديم، قصة الكابوس المضحك الذي ظن أنه حقيقة واقتيد بسببه إلى “مستشفى المجانين”، حيث اشترى خروفًا قبل العيد بيومين واحتفظ به في الحمام، ففتحت إحدى حفيداته الباب ليخرج الخروف هائمًا في الشقة ويفزع من خياله في مرآة غرفة النوم، ثم يتجرع كمية من الكيروسين (الجاز) من المطبخ؛ وأمام خوف الكسار عليه، نصحه أحد الأصدقاء بعمل غسيل معدة له، فاستأجر تاكسًا وحمله إلى مقر الإسعاف الذي رفض التدخل، فتوجه به الإسعاف إلى مستشفى اكتشف لاحقًا أنه مستشفى الأمراض العقلية، ليرد عليه الطبيب الذي عرفه مازحًا: “خذ خروفك وارحل قبل أن يثبتوا جنونك”، ليعود إلى منزله ويشرع في نطح الخروف بحلة يرتديها فوق رأسه، ليستيقظ من النوم مكتشفًا أنه كان يمر بكابوس مرعب وينطح وسائده حتى آلمته رأسه.
ورغم سنوات البهجة وصناعة الابتسامة، لم تخلُ نهاية حياة هذا الفنان الكبير من مأساة حقيقية؛ فمع نهاية الثلاثينيات، بدأ المسرح يتراجع أمام زحف دور السينما، واضطر الكسار لإخلاء مسرح الماجستيك إثر خلاف مع المالك، وظلت فرقته تقاوم الصعاب حتى تم حلها نهائيًا عام 1950.
وعاش سنواته الأخيرة يعاني من وطأة الفقر، وتجاهل الأضواء، وضيق الحال، صامدًا أمام وطأة المرض، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة غريبًا على سرير من الدرجة الثالثة في مستشفى القصر العيني محاطًا بأولاده، إثر مضاعفات صعبة بعد جراحة استئصال البروستاتا، تاركًا مدرسة كوميدية فريدة ألهمت أجيالًا متعاقبة من صناع البهجة في الوطن العربي.

