تحل اليوم ذكرى ميلاد الفنان القدير حسن مصطفى، الذي يعد واحدًا من أبرز علامات المسرح الكوميدي العربي، حيث تدرج في الحقل الفني خطوة بخطوة حتى ارتقى إلى أعلى درجات النجومية، تاركًا إرثًا غنيًا يجمع بين الإبداع والالتزام.
بدأت رحلته الاحترافية عقب تخرجه في المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1957، لينضم بعدها إلى فرق مسرحية كبرى مثل فرقتي “إسماعيل يس” و”الفنانين المتحدين”، إلى جانب مسارح التليفزيون. ورغم تميزه باللون الكوميدي، فإنه حرص على التنوع والتألق في أدوار تراجيدية ودرامية مغايرة تمامًا، أبرزها أداؤه المتفرد في فيلم “يوميات نائب في الأرياف”.
وقد جسد الراحل شخصيات استثنائية شكلت وجدان أجيال متعاقبة على خشبة المسرح، من بينها روائع مثل “سيدتي الجميلة”، و”حواء الساعة 12″، و”الكدابين قوي”، و”أصل وخمسة”، و”دو ري مي فاصوليا”.
ولم يقتصر عطاؤه على المسرح؛ إذ كان له السبق الإعلامي كأول من قدم برامج المنوعات في التليفزيون، فضلًا عن مسيرته السينمائية والتلفزيونية الحافلة بأعمال خالدة؛ منها مسلسلات “رأفت الهجان”، و”من الذي لا يحب فاطمة”، و”أهلاً بالسكان”، و”يوميات ونيس”، و”عباس الأبيض في اليوم الأسود”، بالإضافة إلى أفلام سينمائية متميزة مثل “الحرام”، و”عفريت مراتي”، و”نص ساعة جواز”.
وفي كواليس واحدة من أشهر محطاته الفنية، روى الفنان الراحل خلال لقاء سابق ببرنامج “صاحبة السعادة” مع الإعلامية إسعاد يونس، أنه لم يكن المرشح الأول لدور الناظر في مسرحية “مدرسة المشاغبين”، بل بدأ العرض مجسدًا شخصية “علام الملواني” التي قدمها لاحقًا الفنان عبد الله فرغلي.
وتعود نقطة التحول إلى خلاف وقع بين الفنان عبد المنعم مدبولي الذي كان يؤدي دور الناظر حينها وبين فرقة الفنانين المتحدين، قرر على إثره مدبولي المغادرة؛ ورغم أنه عرض على حسن مصطفى مرافقته في مشروعه الجديد، إلا أن الأخير رفض التخلي عن العرض حمايةً لجيل الشباب الصاعد وتقديرًا للتكاليف الإنتاجية، ليصنع بهذا الدور محطة فارقة في تاريخه الفني وسط أجواء خلف الكواليس وصَفها بأنها كانت مفعمة بالبهجة والمحبة الصادقة.
وخلال مسيرته، امتلك حسن مصطفى نظرة ثاقبة في اكتشاف المواهب، حيث تنبأ مبكرًا بعبقرية الفتى الأسمر أحمد زكي؛ وتذكر بتقدير شديد اللحظة التي شاهد فيها زكي يقلد الفنان محمود المليجي في مسرحية “هاللو شلبي”، وحينها توجه بتحذير يحمل الكثير من الإعجاب لزملائه الفنانين قائلًا: “خافوا من موهبة هذا الفتى”، تيقنًا منه بالمستقبل الباهر الذي ينتظره.
كما كشف الراحل عن كواليس اعتذار الزعيم عادل إمام عن مشاركة أبطال “المشاغبين” في مسرحية “العيال كبرت”، موضحًا أن الزعيم صارح المنتج سمير خفاجي برغبته في خوض تجربة البطولة المطلقة المستقلة بعد النجاح الساحق الذي حققوه معًا. وأشار إلى اللمسات الكوميدية العفوية في ذلك العرض، كاشفًا أن الفنانة كريمة مختار كانت تضطر أحيانًا لإخفاء وجهها على المسرح من شدة الضحك بسبب إيفاهات الشباب الارتجالية.
واستعاد حسن مصطفى بفخر كبير إشادة المخرج القدير حسن الإمام بأدائه في “العيال كبرت”، وتحديدًا في المشهد التراجيدي المؤثر الذي واجه فيه الأب “رمضان السكري” أبناءه؛ حيث عبّر الإمام عن انبهاره قائلًا له: “إيه ده يا جبار!”، مؤكدًا أن المسرح في تلك اللحظة كان يشهد صمتًا مهيبًا من شدة تأثر الجمهور وإنصاته. وفي سياق حديثه عن الأعمال المقربة إلى قلبه، أعرب في ختام لقاءاته عن حبه الشديد لمسلسل “بكيزة وزغلول”، مؤكدًا أنه من أكثر الأعمال الكوميدية التي يحرص على مشاهدتها مرارًا وتكرارًا دون ملل.
وعلى الصعيد الشخصي، عاش الفنان الراحل حياة زوجية وفنية اتسمت بالتناغم التام بعد زواجه من الفنانة ميمي جمال في 26 يونيو 1966، والتي أنجب منها ابنتين. وفي نهاية مشواره الحافل، تعرض لأزمة صحية استمرت لمدة أسبوعين، لتوافته المنية صباح يوم الثلاثاء 19 مايو 2015 عن عمر ناهز 82 عامًا، رحل بجسده وتظل أعماله حية في القلوب وعلامة مضيئة في تاريخ الفن العربي.

