هدير محمد
في عالم الطهي لا تُختصر الوصفات في كونها مجرد مكونات وخطوات، بل تتحول إلى ذاكرة حيّة تعكس هوية الشعوب وامتدادها عبر الزمن، ومن هذا المنطلق، تنطلق الشيف ريهام المنسي في رحلتها داخل المطبخ، باهتمام خاص بالأكل المصري القديم والوصفات التراثية التي تربّت عليها أجيال متعاقبة، ساعية إلى إعادة تقديمها بروح عصرية دون أن تفقد أصالتها أو نكهتها الأولى.
وتؤمن ريهام بأن المطبخ ليس مجرد مساحة للطهي، بل مساحة للحفاظ على التراث وإحيائه، حيث تحرص على تبسيط الوصفات وتقديمها بشكل يناسب الجيل الحالي، مع الحفاظ على روح “أكل زمان” كما هو، سواء في المذاق أو الفكرة. وفي هذا الحوار، تكشف الشيف ريهام عن فلسفتها في التعامل مع الأكلات القديمة، وكيف استطاعت أن تمزج بين البساطة والتراث، لتصل بوصفاتها إلى جمهور واسع يبحث عن الطعم الأصيل في قالب عصري.
ما هي المعايير التي تختارين على أساسها “أكلة قديمة” لإعادة تقديمها للجيل الحالي؟
لا توجد معايير معقدة، فالأمر يعتمد على البساطة، فعند تنفيذ أي وصفة أحرص على أن تكون الخطوات سهلة وغير مُبالغ فيها، مع تجنب التعقيد.
وأضع في اعتباري أن الجيل الجديد يفضل الوصفات السريعة والواضحة، لذلك أركز على التفاصيل الصغيرة التي تُنفذ بحب، لأن الحب في الطهي ينعكس على النتيجة النهائية، إلى جانب الاهتمام بجودة المكونات والخطوات البسيطة.
بين “نَفَس” الجدة وسرعة العصر.. كيف تحافظين على الطعم الأصيل مع تقليل الوقت والمجهود؟
أكل الجدات هو نفسه الأكل الحالي، لكن الحفاظ على الطعم الأصيل يعتمد على استخدام الدهون الطبيعية مثل السمن البلدي والقشدة، وهي من أفضل أنواع الدهون وأصحها، إلى جانب زيت الزيتون.
فالفكرة ليست في كثرة الخطوات، بل في اختيار مكونات جيدة تعيد نفس الطعم القديم.
ما الإضافة التي تضعينها في الأكلات التراثية لجذب الجيل الحالي؟
أهم ما أحرص عليه هو طريقة التقديم والشكل، بالإضافة إلى تبسيط الخطوات، لأن الجيل الحالي يميل للوصفات السهلة والسريعة، بدون أي تعقيدات أو الدخول في مقدمات طويلة.

كيف كان استقبال الحموات والجدات لتغييراتك في الوصفات الأصلية؟ وهل حدث صدام بين المدرسة التقليدية ومدرستك الصحية؟
لم يحدث أي صدام مع الجيل الأكبر، سواء الحماة أو الجدات، بل على العكس، تلقيت إشادة من بعض المقربين، وأتذكر أن “خالتي” لم تكن معجبة بكثير من الأطعمة، لكنني كنت الوحيدة التي تنال إعجابها وصفاتي بسبب حرصي على الحفاظ على الأصل.
أما مع تقديم الأكلات بشكل مختلف، فقد واجهت بعض التساؤلات من المتابعين حول فكرة الأكل الصحي، لكن في الحقيقة، الدهون الصحية مثل السمن البلدي يحتاجها الجسم والعقل، والمهم هو الاعتدال، من خلال تطبيق قاعدة 80% طعام صحي و20% للاستمتاع.
هل تعتبرين إحياء الأكلات القديمة نوعًا من الحفاظ على الهوية المصرية؟ وما أكثر أكلة “منسية” أعدتِ تقديمها بنجاح؟
بالتأكيد، فالأكلات المصرية مثل الملوخية والفتة والرقاق وغيرها تمثل جزءً من هويتنا كمصريين، ومن المهم إعادة تقديمها.
أما أكثر أكلة منسية نجحت في تقديمها فهي “الشركسية”، ورغم وجود آراء تربطها بالتراث التركي، إلا أنها جزء من تراثنا أيضًا، وقد لاقت إعجابًا كبيرًا وأعادت للجمهور ذكريات أكل الجدات.
إذا طُلب منكِ تأليف كتاب، ما العنوان الذي تختارينه؟
أعتقد أن أفضل عنوان يمكن اختيار هو “موسوعة المطبخ المصري”، لتشمل عدد كبير من أكلاتنا المصرية.
رفعتِ شعار “البدائل وليس الحرمان”.. كيف تكسرين فكرة أن الأكل الصحي غير مشهي؟
بالتأكيد، فالحرمان من أسوأ الطرق، بينما البدائل هي الحل للاستمرار.
والأكل الصحي لا يعني طعامًا مسلوقًا بلا طعم أو خضارًا غير متبل، بل هو توازن يشمل البروتين بكميات كبيرة، والخضار والألياف والفاكهة، مع ضرورة وجود الدهون بنسب معتدلة، لأن الجسم والعقل يحتاجان إليها.
ما هو “المكون السحري” الذي لا يخلو منه مطبخك؟
لا يوجد مكون سحري محدد، فمطبخي بسيط جدًا ويعتمد على الملح والفلفل الأسود والسمن البلدي، وهي أساسيات كانت تعتمد عليها وصفات الجدات قديمًا، ويمكن من خلالهم عمل وصفات شهية.
كيف توازنين بين دورك كشيف وصديقة ومستشارة لمتابعيك؟
أحاول دائمًا توصيل رسالة قائمة على الحب والصدق والضمير، وأن أكون قريبة من الناس، بروح اللين والقرب والتسامح في التعامل.
المنافسة في محتوى الطبخ قوية جدًا.. ما السر الذي ساعدك على الوصول لقلوب الجمهور بسرعة؟
المنافسة ليست قوية فقط، بل مرعبة، لكن السر الحقيقي هو حب ما أقدمه.
أنا بطبعي شخصية بسيطة وصادقة، أركز على خطواتي فقط دون مقارنة نفسي بالآخرين، فالتدرج والالتزام أفضل من السرعة التي تنتهي بالتوقف.

هل يعتبر المطبخ وسيلة للتفريغ النفسي قبل أن يكون مهنة؟
بالنسبة لي، المطبخ مصدر للسعادة والتفريغ النفسي قبل أن يكون مهنة، وأظن أن أفضل شيء في الدنيا أن يكون شغف الإنسان هو مهنته.
هل تعرضتِ لانتقادات بسبب تغيير الوصفات التقليدية؟ وكيف تتعاملين معها؟
أي شخص يظهر على السوشيال ميديا يتعرض للنقد، وتغيير الوصفات قد يسبب بعض الآراء المختلفة، لكنني أتعامل مع ذلك بصدر رحب، لأن اختلاف الآراء أمر طبيعي ويعني الوصول لشريحة أكبر من الجمهور.
ما أبرز الصعوبات في تصوير فيديوهات الطهي؟
لم أواجه صعوبات كبيرة، سوى المجهود البدني والوقوف لفترات طويلة، لكن هذا يتلاشى مع ردود الفعل الإيجابية، عندما أرى تفاعل المتابعين أو أنني كنت سببًا في دخول بعض السيدات للمطبخ.
والدك كان الداعم الأول.. ما أهم نصيحة ما زلتِ تطبقينها حتى اليوم؟
تعلمت من والدي الكثير في تفاصيل المطبخ، وأتذكر كلماته حين كان يقول لي دائمًا يقول لي “جمدي قلبك أثناء الطبخ” و”ثقتك بنفسك أهم شيء”، وينصحني بأن أكون أكثر ثقة بنفسي حتى وإن حدث أي خطأ، ولأن والدتي توفيت في صغري فكان يقوم بإعداد الطعام بنفسه، وكانت العلاقة بيننا أقوى، وكان داعمًا لي دائمًا، مما زرع بداخلي الإصرار والثقة
هل سنرى قريبًا مطعمًا يحمل اسمك؟ وما الذي سيميزه؟
إذا حدث ذلك، سيكون الاسم قريبًا من الناس مثل “ريحة الحبايب” أو “مطعم الأهالي”، “مطبخ الأهالي”، “مطعم الحبايب”، وسيتميز بأن الطعام يُحضر بحب واهتمام بالتفاصيل، مع متابعة دقيقة لآراء الزبائن ورضاهم.
كلمة أخيرة لسيدة المنزل التي تشعر بالملل من المطبخ.. كيف تجدد شغفها؟
الشعور بالملل يؤدي إلى مزيد من الملل، لذلك يجب البدء بخطوات بسيطة، وعدم الاستعجال في النتائج، التعلم التدريجي هو الأساس، ومع الوقت ستجدين الشغف يعود من جديد، فكل شيء يبدأ من الداخل، والإيمان بالقدرة هو ما يصنع النجاح.

