في الوقت الذي أغلقت فيه جائحة كورونا الأبواب أمام الكثيرين، كان هناك شاب في أحياء المنيا الشعبية يفتح لنفسه بابًا جديدًا من مساحة صغيرة لا تتجاوز المترين؛ ليتحول خلال سنوات قليلة من طاهٍ في بلكونة شقة إيجار إلى صاحب سلسلة مطاعم شهيرة وصانع محتوى يتابعه مئات الآلاف. إنه طارق عبد الكريم، المعروف بـ “الشيف طارق”، والذي قدم للعالم الرقمي تجربة نجاح ملهمة تُروى وتُحتذى.
طارق عبد الكريم هو شاب منياوي يبلغ من العمر 36 عامًا، خريج معهد حاسب آلي، لكنه لم يعمل في مجال دراسته إطلاقًا لشدة شغفه بعالم الطهي منذ صغره، حتى إن والده كان يمازحه قائلًا: “يالا يا شيف علشان تتغدى”.
وبعد تخرجه، تنقل لسنوات بين عدة مطاعم يعمل كبائع أو مساعد مطبخ ويكتسب الخبرة، حتى جاءت أزمة كورونا وأغلقت أغلب المطاعم. في تلك اللحظة حوّل الأزمة إلى فرصة، وقرر بدء مشروعه الخاص من بلكونة شقته المستأجرة بمساعدة زوجته، معتمدًا على إعداد أكلات منزلية بجودة عالية وأسعار مناسبة.
وخلال أشهُر قليلة، اكتسب سمعة طيبة مكنته من استئجار الدور الأرضي وشراء معدات أكبر، ليفتتح مطعمه الأول بدون صالة، قبل أن يتطور المشروع إلى مطعم من دورين، ويمتلك حاليًا فروعًا عدة بالمنيا، ويوفر فرص عمل لأكثر من 40 فردًا يعيلون عشرات الأسر.
وعلى المنصات الرقمية، يركز الشيف طارق على تقديم محتوى تعليمي بحت يستعرض وصفات عملية وسهلة للتنفيذ في المنزل بلمسة احترافية مستوحاة من مطعمه.
ويتميز أسلوبه بالبساطة والمباشرة بالعامية المصرية الشغوفة، ويصوّر فيديوهاته بنفسه غالبًا، شارحًا الخطوات بالتفصيل والأسرار الصغيرة التي تصنع الفارق. وتتنوع وصفاته بين الأطباق الرئيسية مثل الأرز البسمتي، وكفتة الفراخ، والفراخ المشوية، والكبدة العصفوري؛ والمقبلات والساندويتشات مثل الطماطم المتبلة، وبابا غنوج، واللانشون المنزلي؛ بالإضافة إلى المقرمشات البديلة للشيبسي، وفيديوهات عروض وافتتاحات مطاعمه.
وتزخر صفحاته بأمثلة لاقت نجاحًا ضخمًا؛ منها وصفة “الأرز البسمتي بطريقة المطعم” التي حصدت أكثر من 6 ملايين مشاهدة على “تيك توك” بشرحه لسر الحبة “المفلفلة” واللون المميز.
وهناك وصفة “مقرمشات البطاطس المنزلية” التي تجاوزت 7 ملايين مشاهدة كبديل صحي واقتصادي من حبتين بطاطس فقط. كما قدم طريقة تحويل صدر فرخة واحد إلى كمية كبيرة من “كفتة الفراخ” دون أن تجف في الفرن، والسر الخاص بـ “الطماطم المتبلة” التي يطلبها زبائنه دائمًا، إلى جانب تتبيلة “الفراخ المشوية” بالبصل والطماطم، وفيديوهات توثق افتتاح فرع المنيا الجديدة وتوزيع الهدايا وسط تعليقات إيجابية عن النظافة والسعر والطعم.
ويتوزع تواجد الشيف طارق الرقمي بين صفحة الفيسبوك النشطة التي ينشر عليها المقاطع المصورة والوصفات، وحسابه الأساسي على “تيك توك” الذي يمثل المنصة الأقوى له بحوالي 460 ألف متابع وأكثر من مليوني إعجاب وملايين المشاهدات. ورغم أن شهرته بنيت بالكامل عبر شبكات التواصل الاجتماعي ونشاط مطاعمه دون مقابلات تلفزيونية كبيرة، إلا أنه يظل نموذجًا حيًا لاقتناص الفرص؛ فشاب لم يملك رأس مال ضخم أو شهادة في الطهي، استطاع بشغفه والتزامه بالجودة أن ينتقل من بلكونة صغيرة إلى إمبراطورية مطاعم ومحتوى يلهم المتابعين.

