في خطوة قد تعيد رسم ملامح الفضاء الرقمي عالميًا، وضع رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، شركات التكنولوجيا العملاقة أمام مسؤولياتها التاريخية، مطالبًا بإنهاء ما وصفه بـ “خوارزميات الإدمان” التي تستهدف الأطفال والشباب. هذا التصريح لا يعد مجرد انتقاد عابر، بل يمثل بداية لحراك تشريعي واسع يهدف إلى “تطهير” تطبيقات التواصل الاجتماعي من ميزات صُممت خصيصًا لجذب المستخدمين واستنزاف أوقاتهم.
سيكولوجية “التمرير اللانهائي”.. الفخ الرقمي
يركز التقرير البريطاني الجديد على ميزة “التمرير اللانهائي” (Infinite Scroll)، وهي الآلية التي تجعل المستخدم يغوص في سيل من مقاطع الفيديو دون توقف. وبحسب ستارمر، فإن هذه الآليات ليست “صدفة هندسية”، بل هي خوارزميات مدروسة بعناية لتشجيع السلوك الإدماني، مما يؤثر بشكل مباشر على:
الصحة النفسية: زيادة معدلات القلق والتوتر لدى المراهقين.
التحصيل الدراسي: تراجع التركيز بسبب السهر لساعات متأخرة خلف الشاشات.
الترابط الأسري: خلق فجوة بين الأبناء وذويهم نتيجة العزلة الرقمية.
الحكومة في مواجهة “سيليكون فالي”
لا تكتفي لندن بالتصريحات، بل بدأت بالفعل في اختبار إجراءات رادعة قد تشمل:
حظر التجول الرقمي: تقييد الوصول للتطبيقات في ساعات محددة من الليل.
قيود السن: دراسة فرض حظر كامل على استخدام منصات التواصل لمن هم دون سن الـ 16 عامًا.
تفكيك الخوارزميات: إجبار الشركات على إلغاء ميزات التصفح التلقائي التي تؤدي للإدمان.
رياح التغيير.. من أستراليا إلى لندن
تأتي التحركات البريطانية ضمن موجة عالمية متصاعدة؛ حيث كانت أستراليا “رأس الحربة” في هذا التوجه بفرضها حظرًا شاملًا للأطفال دون الـ 16 عامًا في ديسمبر الماضي، وتبعتها دول مثل اليونان وإندونيسيا. بريطانيا الآن تسعى لتكون النموذج الأوروبي الأبرز في حماية “الجيل الرقمي”.
صوت المجتمع.. 45 ألف استجابة وما زال العد مستمرًا
كشف التقرير الحكومي عن تفاعل مجتمعي غير مسبوق، حيث استقبلت منصة المشاورات الوطنية أكثر من 45 ألف رد من أولياء أمور ومراهقين. وزيرة التكنولوجيا، ليز كيندال، أكدت أن الحكومة تفتح الباب للجميع حتى 26 مايو القادم لصياغة مستقبل أكثر أمانًا، مشددة على أن “المراهقين هم الأقدر على وصف معاناتهم في عصر الذكاء الاصطناعي”.

