لم تكن رائحة “المسخن” أو “المقلوبة” التي تفوح من مطبخ صغير في قلب العاصمة البريطانية لندن مجرد إعداد لوجبة غداء عابرة، بل كانت رسائل حنين عابرة للقارات، يكتبها شاب فلسطيني بملعقة من خشب وصوت يفيض بالألفة. محمد خالد السبيتي، المعروف عالميًا بلقب “أبو جوليا“، لم يغترب ليترك هويته خلفه، بل حمل غزة في حقيبته، ليحول المطبخ الفلسطيني من إرث محلي إلى ظاهرة رقمية اجتاحت شاشات الملايين.
الجذور والبدايات: وصفات الأم هي الدستور
ولد محمد سبيتة في قطاع غزة عام 1988، ونشأ في بيئة تولي الطعام قيمة اجتماعية وثقافية كبرى. بدأت علاقة “المترجم” الشاب -خريج الأدب الإنجليزي- مع النار والتوابل في سن الرابعة عشرة، حيث تتلمذ على يد “المعلم الأول” وهي والدته. تعلم منها أسرار أكثر من عشر طبخات فلسطينية أساسية، ظلت هي البوصلة التي وجهت ذائقته حتى بعد انتقاله للعيش في لندن في سن السابعة والعشرين.
ورغم أن لقب “أبو جوليا” يوحي بوجود ابنة تحمل هذا الاسم، إلا أن الحقيقة تكمن في محبة محمد لهذا الاسم ورغبته في إطلاقه على مولودته المستقبلية، وهو اللقب الذي التصق به وأصبح علامة تجارية مسجلة للبهجة والبساطة.
من “الترجمة” إلى “الترند”: كيف سحر العالم؟
في أغسطس 2020، وبينما كان العالم يعاني من العزلة، قرر محمد تحويل حنينه إلى أهله البعيدين إلى محتوى بصري. بتشجيع من أصدقائه، وبمهارات مونتاج بسيطة تطورت مع الوقت، أطلق أول فيديوهاته الاحترافية. لم يكن مجرد “طباخ” يقدم مقادير، بل تميز بقدرته على مزج الوصفة بالنكتة، والمعلومة التاريخية باللمسة الإنسانية.
يقول أبو جوليا في حديثه عن سر نجاحه: “الناس لا تبحث عن مجرد طبق مع موسيقى، بل يبحثون عن قصة، عن معلومة، وعن شغف حقيقي”. هذا الشغف هو ما دفعه لترك عمله كمترجم في شركة كبرى، وحتى مغادرة مطابخ عالمية عمل بها كمساعد شيف (مثل مطبخ الشيف الشهير جينارو كونتالدو)، ليتفرغ لمشروعه الخاص الذي وصل اليوم إلى أكثر من 13 مليون متابع عبر مختلف المنصات (فيسبوك، يوتيوب، إنستجرام، وتيك توك).
فلسفة الطهي: الجوع هو الملح الحقيقي
يتبنى أبو جوليا فلسفة فريدة في التعامل مع الطعام، تتلخص في مقولته الشهيرة: “لتضمن نتيجة ممتازة لطبخاتك، اصنعها وأنت جائع”. بالنسبة له، الطبخ بلا حب هو طعام بلا طعم. ورغم تنوع أطباقه التي تشمل “زربيان عدني” و”آيس كريم البقلاوة” وصولًا إلى “الشيش برك” (أسهل أكلة بالنسبة له)، يظل انتماؤه الأول للمطبخ الفلسطيني، الذي نقله من أزقة غزة المحاصرة ليجعله يتصدر قائمة اهتمامات المتذوقين في أوروبا والعالم العربي.
تواضع خلف الأضواء
رغم الشهرة المدوية، لا يرى محمد نفسه مجرد “ترند” عابر. هو يعتبر نفسه صانع محتوى وشيف يمتلك مطعمه الخاص في الأردن، ومع ذلك يعترف بتواضع أن شيفات مطعمه قد يتفوقون عليه أحيانًا. يظل المرجع الأعلى له هو “الأم”، حيث لا يتخذ قرارًا مهنيًا أو شخصيًا دون استشارتها، مؤكدًا أن بركة دعائها هي المحرك الحقيقي لنجاح “حبايبنا اللزم”، وهي الجملة التي اشتهر بها في فيديوهاته.
اليوم، يقف أبو جوليا كواحد من أبرز المؤثرين العرب، ليس فقط لأنه يجيد التعامل مع السكين والفرن، بل لأنه استطاع أن يثبت أن أقصر طريق لقلوب الشعوب هو “طبق أصيل” يُطبخ بقلبٍ لا ينسى جذوره مهما ابتعدت به المسافات.

