قد تبدو النقرات المتلاحقة التي تطلقها حيتان العنبر لمسامعنا مجرد ضوضاء خلفية لا معنى لها، لكن تحليلًا علميًا جديدًا يشير إلى أنها قد تكون جزءًا من نظام اتصال معقد يقترب في مستواه من تعقيد اللغة البشرية.
وفقاً لباحثين من مشروع “CETI” (مبادرة ترجمة لغة الحوتيات)، وهي منظمة أمريكية غير ربحية تسعى لفهم لغة هذه الكائنات، فإن النقرات المعروفة باسم “الكودا” (Codas) أكثر تعقيدًا مما أشارت إليه دراسة سابقة في عام 2024، والتي وجدت حينها تشابهًا صوتيًا بين تلك النغمات والحروف المتحركة في لغات البشر.
اليوم، كشفت ورقة بحثية جديدة حللت خمس خصائص لنغمات “الكودا” أن هذه الأصوات تُستخدم في أنماط تتبع قواعد هيكلية تشبه إلى حد كبير تلك الموجودة في الكلام البشري.
تطور مستقل وتشابه مذهل
وكتب فريق البحث بقيادة عالم اللسانيات “جاشبر بيجوش” من مشروع CETI وجامعة كاليفورنيا في بيركلي: “تمتلك الخصائص الخمس جميعها نظائر قريبة في علم الصوتيات والفونولوجيا (النظام الصوتي) للغات البشرية، مما يشير إلى تطور مستقل لهذا النظام”.
وأضاف الفريق: “بناءً على ذلك، فإن اتصالات الكودا لدى حيتان العنبر معقدة للغاية، وتمثل واحدة من أقرب الأنظمة الموازية للنظام الصوتي البشري بين جميع أنظمة الاتصال الحيوانية التي تم تحليلها”.
وتعيش حيتان العنبر في مجموعات عائلية متماسكة تقودها الإناث، وتربطها علاقات تعاونية قوية تمنحها ميزة تنافسية في البحار القاسية. وعادة ما تتطلب هذه الهياكل الاجتماعية المعقدة مهارات اتصال متطورة بنفس القدر.
تفكيك شفرة “الكودا”
في الدراسة الجديدة، حلل الفريق 3,948 نغمة كودا من 15 حوتًا تم تسجيلها في شرق البحر الكاريبي. ووجدوا أن هذه النغمات تندرج تحت فئات متميزة تعمل تمامًا مثل “الحروف المتحركة” في لغة البشر، مع اختلافات ثابتة في الطول، والأنماط، والتفاعلات مع الأصوات المجاورة.
وحدد الباحثون نوعين مختلفين من نغمات الكودا بناءً على ترددات الرنين الصوتي؛ أطلقوا على النوع الأول “a-codas” والنوع الثاني “i-codas”. المثير للدهشة أن هذه الأصوات لا تشبه الحروف المتحركة صوتيًا فحسب، بل تتصرف مثلها أيضًا؛ فمثلاً، نغمات “a-codas” أطول زمنيًا من “i-codas”، كما تمتلك الأخيرة نسخًا قصيرة وطويلة.
علاوة على ذلك، يمتلك كل حوت توقيتًا خاصًا به في استخدام هذه النغمات، كما يمكن للأصوات المتجاورة أن تؤثر على بعضها البعض، تمامًا كما تندمج الحروف في لغة البشر لتكوين أصوات مركبة.
نظام اتصال أم لغة؟
يتوخى الباحثون الحذر في إطلاق مصطلح “لغة” على ما تفعله الحيتان، ويفضلون وصفه بـ “نظام اتصال”، وهو تصنيف أوسع تندرج تحته اللغة. فلكي يصبح نظام الاتصال لغة، يجب أن يدمج الأصوات في رسائل مهيكلة وذات مغزى. وبما أننا لا نعرف “معنى” هذه النقرات حتى الآن، لا يمكننا تعريفها كـ “لغة” بيقين كامل.
ومع ذلك، تقربنا هذه الدراسة خطوة إضافية من الهدف الرئيسي لمشروع CETI، وهو فك شفرة تواصل الحيتان باستخدام “تعلم الآلة” لتقسيم هذه الاتصالات إلى أدق تفاصيلها وفهم ما تقوله الحيتان لبعضها البعض.
إن تداعيات هذا الاكتشاف هائلة؛ فهو لا يخبرنا فقط ما إذا كانت اللغة ميزة حصرية للبشر أم لا، بل يمنحنا نظرة ثاقبة حول كيفية تطور اللغات، وقد يفتح لنا بابًا للتواصل مع أنواع أخرى تعيش بطريقة تختلف تمامًا عن الثقافة البشرية.

