هدير محمد
“في يوم من الأيام في وقت من الأوقات” جملة ارتبطت بطريقة محمد طاهر في نقد الأفلام والمسلسلات، فبمجرد أن يبدأ بها، يعرف الجمهور أنه أمام حكاية كاملة سيعيد تقديمها في دقائق، لكن بطريقته الساخرة وإفيهاته الخاصة.
اشتهر محمد طاهر بتقديم ملخصات ساخرة للأفلام والمسلسلات من خلال “فيلم في الخمسينة”، حيث لا يكتفي بسرد الأحداث واختصارها، وإنما يعيد صياغتها في قالب كوميدي يعتمد على المبالغة والتعليق على تصرفات الشخصيات والمواقف غير المنطقية، ليصبح تلخيص الفيلم نفسه مادة للضحك.
وهنا تكمن خصوصية “فيلم في الخمسينة”، فالفكرة ليست مجرد اختصار فيلم مدته ساعتان في عدة دقائق، وإنما إعادة روايته من منظور محمد طاهر؛ يلتقط التفاصيل اللافتة، ويعيد ترتيب الأحداث، ويضع تعليقاته الساخرة في اللحظة المناسبة، لتتحول قصة الفيلم إلى حكاية جديدة يعرف الجمهور نهايتها، لكنه ينتظر طريقة طاهر في روايتها.

ومع تكرار التجربة، لم تعد الكوميديا تعتمد على الأحداث الأصلية وحدها، بل أصبح لمحمد طاهر قاموسه الخاص من الإفيهات والشخصيات المتكررة، التي يعرفها الجمهور بمجرد سماع أسمائها.
وتأتي “مدام نيللي” في مقدمة هذه الإفيهات، إلى جانب “أستاذ مهند” و”الراجل الغامض بسلامته”، فضلًا عن جمل مثل “تصحى الصبح تلاقي…”، التي يستخدمها للانتقال بين الأحداث المفاجئة والتحولات الغريبة داخل القصة.
وبهذه الطريقة، أصبح المشاهد لا يتابع “ملخص فيلم” بالمعنى التقليدي، بل ينتظر النسخة التي سيقدمها محمد طاهر من الفيلم؛ ماذا سيختار من تفاصيل؟ وكيف سيصف الشخصيات؟ وما الإفيه الذي سيضعه على موقف جاد أو مشهد غير منطقي؟

ورغم أن النتيجة تبدو عفوية وسريعة، فإن صناعة الملخص تبدأ من مشاهدة دقيقة للعمل، وتسجيل التفاصيل والمواقف والثغرات التي يمكن البناء عليها في الحكاية الساخرة.
فالمطلوب ليس معرفة أحداث الفيلم فقط، وإنما معرفة أي تفاصيل تصلح لأن تتحول إلى إفيه، وأي مشهد يمكن اختصاره، وأين يمكن وضع تعليق يحافظ على إيقاع الحكاية دون أن يفقدها وضوحها.
ولهذا تبدو طريقته أقرب إلى “إعادة تأليف” الفيلم في صورة كوميدية مختصرة؛ يحتفظ بالخط الأساسي للأحداث، لكنه يمنحها لغة جديدة وشخصيات بأسماء متكررة وتعليقات تجعل المشاهد يتعامل مع الفيلم من زاوية مختلفة.

ومع الوقت، توسع محمد طاهر في المحتوى الذي يقدمه، فانتقل إلى سرد قصص حقيقية وغريبة ومناقشة موضوعات مختلفة، لكنه حافظ على العنصر الذي صنع تميزه منذ البداية وهو تحويل التفاصيل إلى حكاية سهلة وخفيفة وقابلة للمتابعة.
كما ظهر هذا الأسلوب في تجربته الأخيرة “المحتوى رقم 7″، التي انتقل فيها من إعادة حكي قصص الأفلام والمسلسلات إلى محاورة أصحاب الحكايات أنفسهم، مستضيفًا فنانين وصناعًا في حوارات تركز على التفاصيل الإنسانية والكواليس، مع الاحتفاظ بحضوره العفوي.
وفي النهاية، تظل تجربة محمد طاهر قائمة على فكرة بسيطة لكنها صعبة التنفيذ وهي أن تأخذ فيلمًا كاملًا، بكل أحداثه وشخصياته وتفاصيله، ثم تعيد حكايته في دقائق قليلة، من دون أن يفقد الجمهور متعة الحكاية، بل وربما يضحك عليها أكثر مما فعل أثناء مشاهدتها للمرة الأولى.

