يواجه الجليد البحري في القطب الشمالي خطر الاختفاء بمعدلات مثيرة للقلق، وهو ما دفع بمجموعة من مهندسي الجيولوجيا للتدخل وابتكار حلول عملية؛ حيث نجحت مبادرتهم التي تحمل اسم “ريل آيس” في تطوير طريقة لإعادة بناء الجليد البحري على نطاق ضيق، باستخدام أدوات بسيطة لا تتعدى الحفارات الميكانيكية ومضخات المياه.
وأثبتت التجارب الأولى للمبادرة نجاحًا ملحوظًا وفقًا لتقريرهم البحثي السنوي الصادر في يونيو الماضي؛ حيث تمكن الفريق من تنمية نحو 30 سنتيمترًا من الجليد الإضافي فوق الطبقة التي تشكلت طبيعيًا، ليصل إجمالي سمك الجليد في منطقة الدراسة إلى نحو 50 سنتيمترًا. وما يجعل هذه النتائج إنجازًا استثنائيًا، هو أن منطقة “كامبريدج باي” الكندية التي أُجريت فيها الأبحاث كانت تفقد نحو 6 سنتيمترات من جليدها كل عقد، مما يعني أن الـ 30 سنتيمترًا المضافة نجحت في عكس مسار 50 عامًا من ذوبان الجليد في تلك البؤر المحددة.
وتعتبر القدرة على إعادة تنمية الجليد، حال تطبيقها على نطاق واسع، خطوة حاسمة لموازنة الآثار الكارثية للتغير المناخي الناجم عن حرق الوقود الأحفوري؛ إذ تشير الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي إلى أن القطب الشمالي فقد نحو 12% من جليده البحري لكل عقد منذ عام 1980، مع مخاوف علمية من اختفاء الجليد تمامًا بحلول ثلاثينيات القرن الحالي، مما سيؤثر سلبًا على الحياة البرية والمجتمعات البشرية، ويسرع وتيرة احترار المحيطات عالميًا.
وتعتمد آلية عمل “ريل آيس” على حفر ثقوب في الجليد الحالي، ثم إنزال مركبات غاطسة ذاتية القيادة ومجهزة بمضخات مياه أسفل الطبقة المتجمدة، لتقوم بضخ المياه بقوة إلى السطح وغمر المنطقة المحيطة. وتحت تأثير درجات الحرارة القاسية التي تنخفض إلى ما دون 60 درجة مئوية تحت الصفر، تتجمد هذه المياه بشكل فوري تقريبًا لتشكل طبقات جليدية جديدة. وقد ضخ الفريق 30 ألف متر مكعب من المياه لزيادة سمك الجليد، لدرجة سمحت للأقمار الصناعية بالتقاط صور للكتل المتشكلة حديثًا حتى بعد ذوبان معظم الجليد الطبيعي في الخليج.
ورغم نجاح التجربة التي أجريت على مساحة كيلومتر مربع واحد بدعم من محطة أبحاث القطب الشمالي الكندية ومنظمات الصيد المحلية، واجه الفريق تحديًا تمثل في انخفاض تراكم الثلوج فوق المناطق المغمورة نهاية الشتاء. ويُعد الثلج عنصرًا حيويًا لحماية الجليد بفضل قدرته العالية على “البياض” أو العاكسية، وهي مقياس لمدى عكس المادة لأشعة الشمس وطاقتها.
ومع ذلك، لاحظ الباحثون عبر الطائرات المسيرة والأقمار الصناعية أن الجليد الاصطناعي الذي صنعوه يمتلك قدرة عاكسة أعلى من المتوقع؛ وأوضح أندريا سيكوليني، الرئيس التنفيذي لـ “ريل آيس”، أن التفسير المحتمل يعود إلى انحباس فقاعات الهواء داخل المياه بسبب ضخها وتجمدها السريع، مما جعل الجليد أقل شفافية وأكثر قدرة على عكس الضوء مقارنة بالجليد الطبيعي. ويسعى الفريق حاليًا عبر أبحاثه الميدانية المستمرة لعام 2026 إلى فك هذه الشفرات العلمية تمهيدًا لتوسيع المشروع مستقبلًا.

