المدن ليست مجرد مبانٍ وشوارع، بل تحمل كل زاوية فيها حكاية، وكل شارع بين جنباته تفاصيل من التاريخ وذكريات لا يعرفها كثيرون. وبينما يمر البعض بهذه الأماكن دون أن ينتبهوا إلى ما تخفيه، هناك من يقرر التوقف أمامها واكتشاف أسرارها، وإعادة تقديمها للناس من زاوية مختلفة.
وهذا ما يفعله صانع المحتوى أحمد جابر، الذي اختار شوارع المدن وأحياءها وأسواقها لتكون مسرحًا لمحتواه، مبتعدًا عن التصوير داخل الاستوديوهات والأماكن المغلقة. ومن خلال كاميرته، يأخذ متابعيه في جولات بين الأماكن التاريخية والشوارع القديمة، محاولًا إحياء حكاياتها والتعريف بتفاصيل قد تمر دون أن يلاحظها المارة.
واستطاع أحمد جذب قرابة 50 ألف مشترك عبر قناته على يوتيوب “حكاية شارع“، مستندًا إلى فكرة بسيطة تقوم على استعادة ذكريات الأماكن والتعرف إلى شوارع ربما سمع عنها البعض دون أن يزوروها، أو مروا بها دون معرفة تاريخها.
ويوضح أحمد فلسفة القناة قائلًا: “كتير مننا بيسمع عن أماكن أو شوارع، فينا اللي راحها ومشي فيها، وفينا اللي سمع عنها ونفسه يشوفها. وحشتنا للمكان والشارع والحنين لذكرياتنا فيه هي الدافع اللي خلاني أعمل القناة”.
ويتنوع المحتوى الذي يقدمه بين الجولات التاريخية والاجتماعية، واستكشاف الأحياء والأسواق الشهيرة، ومن أبرزها جولته في شوارع الزمالك، التي سلط خلالها الضوء على عدد من البيوت والقصور التي سكنها فنانون ومشاهير، مستعرضًا جانبًا من تاريخ المنطقة والتغيرات التي شهدتها على مدار السنوات.
كما يأخذ متابعيه في جولة داخل شارع المعز لدين الله الفاطمي، أحد أشهر شوارع القاهرة الإسلامية، حيث يتنقل بين المساجد والآثار والحارات القديمة، ويقدم لمحات عن تاريخ الشارع الذي يشبه متحفًا مفتوحًا في قلب القاهرة.
ولا يقتصر اهتمام أحمد على الأماكن التاريخية المعروفة، بل يمتد إلى المواقع التي تحمل طابعًا خاصًا وتفاصيل غير مألوفة، مثل سوق ديانا، الذي يستعرض فيه مجموعة من البضائع الغريبة وغير المتوقعة، في جولة تعتمد على عنصر المفاجأة واكتشاف ما لا يعرفه كثيرون عن السوق.
ومن بين جولاته أيضًا شوارع وسط البلد، إذ يتجول في شارع الفن وممر بهلر والشوارع الداخلية، كاشفًا عن جانب من الطابع التاريخي للمنطقة. كما يربط في جولة أخرى بين خان الخليلي والحسين والأزهر، مرورًا بخان جعفر، مع التركيز على الحارات الضيقة وتفاصيل الحياة الشعبية المحيطة بهذه المناطق.
ويحرص أحمد على تقديم زوايا مختلفة للأماكن التي يزورها، ومن بينها تصوير القاهرة من أعلى كوبري 6 أكتوبر، في مشاهد تكشف شكل المدينة والنيل من منظور مختلف، بعيدًا عن الجولات التقليدية التي اعتاد الجمهور مشاهدتها.
ورغم أن الشوارع المصرية تمثل المساحة الأكبر من محتواه، فإنه لا يلتزم بحدود مصر فقط، إذ يقدم أيضًا تجارب سفر، من بينها رحلة إلى جبال الثلج في مدينة بريشيا الإيطالية، وثق خلالها تجربته في الصعود إلى المناطق الجبلية المغطاة بالثلوج.
وفي النهاية، لا تحتاج “حكاية شارع” إلى إنتاج ضخم أو أماكن استثنائية حتى تجذب الانتباه، ففكرتها تعتمد على اكتشاف الحكايات الموجودة في أماكن نمر بها كل يوم دون أن نعرف الكثير عنها. ومن خلال كاميرته، يحاول أحمد جابر أن يجعل المشاهد يرى الشوارع بعين مختلفة، ويكتشف أن وراء كل طريق أو مبنى أو حارة قصة تستحق أن تُروى.

